في قطار يجري أو طائرة تحوم ـ محمد الماغوط

لا
هذه الأرض ليست أرضي
وهذه البحار ليست بحاري
وهذه الأعلام ليست أعلامي
وهذه الأناشيد ليست أناشيدي
وهذه الحدود ليست حدودي
وهذه الجيوش ليست جيوشي
وهؤلاء الأعداء ليسوا أعدائي
وهؤلاء الأصدقاء ليسوا أصدقائي
وهذه الانتصارات ليست انتصاراتي
وهذه الهزائم ليست هزائمي
ما هذا؟
الشمس تشرق
الربيع يطل
الفراشات تحوم
النسيم يهب
الينابيع تتدفق
البجع يطير
الحمام يهدل
الغزلان تقفز
السنونو يهاجر
السنونو يعود
المسرح يتطور
السينما تزدهر
المعارض تقام
الموسيقا تصدح
المتاحف تزدحم
الطب يحقق المعجزات
السياح يتضاحكون
الأقمار الصناعية تطلق
الأقمار الصناعية تستعاد
والمختبرات الفضائية تصل إلى الزهرة والمريخ والمشتري وعطارد
ونحن غارقون في:
فلان سني
فلان شيعي
فلان درزي
فلان علوي
فلان قبطي
فلان اسماعيلي
فلان شافعي
فلان حنبلي
فلان سرياني
فلان تركماني
فلان من هذه العشيرة
وفلان من تلك القبيلة
وهذا من تلك الفخذ
وذاك من ذلك البطن
حتى لأشعر بأنني أنتمي إلى القوارض الخشبية والتجمعات الحشرية أكثر مما أنتمي لهذه الأمة.
فنحن، الوطنيين الوحدويين، الوحيدين الأبرياء الذين لا فخذ لنا ولا بطن ولا رقبة ولا كاحل في هذه القبيلة أو تلك العشيرة. ولا طائفة لنا إلا هذا الوطن من محيطه إلى خليجه.. ماذا نفعل؟
هل نحمل صغارنا من رقابهم بأسناننا كالقطط المطرودة من منازلها وندور بهم من مكان إلى مكان.
أم ننصب لنا ولهم خياما وراء هذه الحدود أو تلك ونسأل الرائح والغادي عما جرى ويجري في أوطاننا.
لا
فهذه الأرض هي أرضي
وهذه السماء هي سمائي
وهذا التخلف هو تخلفي
وهذه الأمة هي أمتي
والدين ليس إيرانيا ولا إيطاليّا
وما من عربي أو أعجمي يمثل شعرة في رأسي بعد الآن إلا بالحرية.
ولن أبالي.
فلن أجوع أكثر مما جعت ولن أتشرد أكثر مما تشردت
ولن أهان أكثر مما اُهنت
ولن أسحق أكثر مما سحقت
وسأظل حفرة في كل طريق
وخريفًا في كل غابة
وظلاما في كل شارع
وأنينا في كل عرس
وضحة في كل مأتم
وتثاؤبا في كل مهرجان وسأبرز في كل مناسبة ودون توقع كالشبح كموجز الأنباء وسط مسلسل مشوق.. حتى تستقيم الأمور وتستقيم هذه الأمة لأجيال جديدة وأفكار جديدة
تحيل كثرتنا قلة
وكرمنا شحا
وثرثرتنا صمتا
وثرواتنا تسولا
وتنتصر


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يبكي الغريبُ عليه ليس يعرفهُ

العِقد (قصة قصيرة)

أنشودة القسام ـ للشاعر: ناهض منير الريس