أنشودة القسام ـ للشاعر: ناهض منير الريس

إضاءة تاريخية على النص

ولد عز الدين القسام عام 1871م في بلدة جبلة الساحلية، شمالي سوريا، لأسرة معروفة بالصلاح والورع. شب وترعرع في بلدته الصغيرة، وتلقى علومه الأدبية في كتاتيبها. وجمع إلى صحة الجسم عمق المشاعر وصلابة الإرادة مع لين المعشر المأثور عن أهالي مدن المتوسط.
وتلقى تعليمه العالي في الأزهر الشريف بمصر، وهو يومئذ منارة علم ومدرسة وطنية. ثم عاد إلى مسقط رأسه فأقام، وتزوج، وأم في مساجدها، وعلم في كتاتيبها.
كانت بلاد الشام جزءا من السلطنة العثمانية التي بلغت مرحلة الضعف والانحلال، فازداد ولاتها قساوة على رعاياهم العرب الذين تطلع المستنيرون منهم إلى الانعتاق وتجديد مجدهم التاريخي. ونشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914م فانضم شريف مكة إلى الحلفاء ضد العثمانيين. وقد غذت بريطانيا في نفوس العرب الأوهام بأن هزيمة السلطنة ستؤدي إلى قيام دولتهم الواحدة وتتويج الشريف حسين نفسه ملكا عليها. وهكذا ضمنت موقفهم وعونهم في المجهود الحربي. ولكن نهاية الحرب لم تشهد إلا تنكر بريطانيا لعهودها وتقسيم أملاك السلطنة بين الحلفاء المنتصرين.
ودخل الفرنسيون سوريا، فواجهتهم ثورة عارمة. وقاتل أهل الساحل السوري ثلاث سنوات ونصف بقيادة الشيخ صالح العلي في معارك ضارية. وشارك عز الدين القسام في قيادة هذه الثورة مما أكسبه خبرة وتجربة مهمة في شؤون التنظيم وتعبئة السلاح وإدارة الصراع. فلما انتهت الثورة بالقمع وصدرت أحكام الإعدام على زعمائها المطاردين، هاجر القسام إلى فلسطين، عام 1921م. وهناك استقر في حيفا، معلما في مدارسها، وإماما لجامع الاستقلال فيها، ومأذونا شرعيا في قضائها.
ووجد البلاد تغلي بالحقد على الانتداب البريطاني وربيبه الاستعمار اليهودي، وموجات المهاجرين الصهاينة القادمين من وراء البحار، فلم يلبث أن بادر إلى تأسيس تنظيم "الجهادية" من عناصر مختارة من الرجال، وأمدته خبرته العسكرية السابقة بفكرة الخلايا السرية، وتوزيع المهام، وتقدير قيمة الوقت في إنضاج الظروف. ودأب على العمل سنوات طويلة بلا كلل لبناء التنظيم المختار، وتزويده بالفكرة والسلاح، حتى انتشرت خلاياه التنظيمية في أماكن عديدة، لاسيما من شمال فلسطين.
ثم توفر في عام 1935م من عوامل تقدير الموقف، ما أدى به للانتقال إلى طور القتال. فاختار الغابات المنتشرة في منطقة "يعبد" من قضاء جنين قاعدة لفصيله الطليعي الأول، واختار 2/11/1935 موعدا لانطلاقته المسلحة ردا على 2/11/1917 يوم وعد بلفور، وواصل سلسلة عملياته ضد الدوريات البريطانية والمستعمرات اليهودية.
وفي المقابل، أسرعت الإمبراطورية البريطانية بحشد قوات عسكرية ضخمة العدد وافرة التسلح، يساندها الطيران، فحاصرت القسام ورفاقه المجاهدين فلم يتوانوا عن الاشتباك معها، حتى استحقوا شرف الشهادة.
كان القسام يعتقد أن طلقته الأولى يجب أن تكون افتتاحية في فصل كامل من الجهاد. وفي هذا لم يخطئ تقديره. لقد تجاوبت البلاد مع بادرته، وأثمر ذلك التجاوب ثورة عام 1936م التي استمرت ثلاث سنوات، وكان تلاميذه القساميون من أصلب وأشرف قادتها.
بل ظلت أمثولة القسام إلهاما للروح الوطنية في فلسطين إلى يومنا هذا، لأن أمثال القسام يموتون مرة واحدة، ويولدون بلا انقطاع.

الميلاد

فِي مُدُنِ البحرِ الأَبيضِ يُسمَع صَوتُ الموجِ دُعَاء
يَرفَعُهُ العُمقُ اللُّجِيِّ إلى الشَّمسِ هُتَافًا
...... يَصرُخُ فِيهْ
.. أَو يَهمِسُهُ حتى يُصبِحَ تهويمَ حَنينْ
مازالَت تَتَحرَّكُ فِي قَلب الأشياءْ
مِن عَهدٍ مجهُولٍ أشواقُ التّكوينْ
الدِّفءُ، وَطِينُ الأرضِ اللازِبُ، والماءُ
والرُّوحُ التَّائِهُ يبحثُ عَنْ جَسَدٍ يُؤويهْ
يَطلبُهُ في القَمحِ وَفِي البَيدَرِ
خُبزًا مَحْضًا لا يَكفِيهْ
يَطلبُهُ في اللَّيلِ وفي الرَّهبةِ
لا يَلْمَحُ نُورًا يَهدِيهْ
يَطلبُهُ فَوقَ جَنَاحِ النِّسرِ الطَّائِرِ
لكنَّ الوَحشَةَ أُختُ التِّيهْ
والزَّمَنُ – النُصُبُ المَاثِلُ أبدًا-
تَقِفُ عَلَيْهِ طُيُورُ المَوسِمِ آلافًا
تَحسُو حَسوَتَهَا ثُمَّ تَطِيرْ
للدِّفءِ، وللطِّينِ الأخصَبِ، والماءْ
★     ★     ★
فِي مُدُنِ البَحرِ الأبيَضِ
يُسمَعُ صَوتُ المَوجِ غِنَاءْ
وَيَرِقُّ حَفِيفُ الغَابَاتِ فَيُنعِسُ أَطفَالَ الصيَّادِينْ
تَكتَنِزُ صُدُورُهُمُ البَضَّةَ عَافِيَةً سَمراءْ
وَتَجِيءُ الحُوريَّاتُ إلى الحُلْمِ سِرَاعًا
بالشَّعْرِ النَّاعِمِ، والصَّدْرِ النَّاهِدِ
والنِّصفِ اللَّدِنِ السَمَكِيِّ
تَشُقُّ عُبَابَ الأمْواجِ
وَتُحْيِيْ عِنْدَ الشَّاطِئِ مِيلادَ اللُّؤْلُؤِ فِي جَوْفِ الأصْدَافْ
تُهدِيْ أحلامَهُمُ الذَّهَبِيَّةَ مِجدَافًا
يُبحِرُ بِالمَركبِ فِي أفُقِ الغَيبِ المَجهُولْ
★     ★     ★
فِي مُدُنِ البَحرِ الأبيَضِ
يُسمَعُ صَوتُ المَوجِ هَدِيرْ
قَصفَا فِي اللَّيلِ الشِتوِيِّ بَعِيدا
يَأتِي مِن مَيدَانٍ خَلفِيٍّ
في جَبهَةِ حَربٍ
تَشتعِلُ أكِيدًا
حِينَ يَعُودُ أَمِيرُ البَحرِ الغَائِبُ مِن جُزُرِ النَّومْ
يَتَعَجَّلُ نَصْبَ مَدَافِعِهِ
وَيَصُبُّ صَوَاعِقَ فِي لَيلٍ.. تَصطَفِقُ لَهُ أبوَابُ القَلْبْ
وَتُدَمْدِمُ رِيحٌ ثَلجِيَّةْ
تَخْتَرِقُ أَزِقَّةَ تِلكَ الأحياءِ الأثَرِيَّةِ
تِلكَ الأحياءِ العَابِقَةِ بِرائِحَةِ العزِّ الغَابِرِ
والطُّحلُبِ...
صَوتُ المَوجِ يَلِجُّ وَلكِنْ ما يَلبَثُ يَستَرخِي
فَكَأنَّ المَعرَكَةِ تَنَاهَتْ
لَم يُسمَع للغالِبِ ضَحِكٌ
أو لِلمَغلُوبِ أنِينْ
★     ★     ★
فِي مُدُنِ البَحرِ الأبيَضِ
لا يَهرُبُ فَصلٌ مِن فَصلٍ
فَهُنالِك مُتَّسَعٌ لِلكُلِّ
بِبَطنِ الوَادِي وَعَلَى الشَّاطِئِ
وَبِأَعلَى القِمّةِ..
جِسمُ الأَرضِ وَلِيمَةُ كُلِّ ضُيوفِ العَامِ
وَجِسمُ النّاسِ مَقَرُّ الأمزِجَةِ المُتَعَانِقِ فِيهَا البَرْدُ
بِحَرِّ الصِّيفِ عِنَاقْ
النَّازِلِ فِيهَا الرِّيحُ بِسَاحَةِ زَهرِ المِشْمِشِ وَالأَورَاقْ
اسمَع:
فِي النَّايِ مَوَاجِعُ غَاضِبَةُ
فِي التَّرجِيعِ اسْتِحذَاءٌ يَتَحَايَلُ بِالأشْوَاقْ:
يَقْتَرِبُ بِنَصلِ الشَّهَوَاتِ البَارِدِ
مِن مُستَودَعِ دِفءِ الأُنثَى
يَستَولِدُهَا المُوَّالَ وَلَحْنَ السِيرِ ينَادْ
يُطلِقُهُ كَالمُهرِ عَلَى أَقدامٍ لَيِّنَةٍ
تَتَصَالَبُ رَكضَّا تَحتَ أَشِعَّةِ نَجمِ الصُّبحِ
قَرِيبًا وَبَعِيدًا
مُقتَرِنًا وَوَحِيدًا
وَتَرًا مَشدُودًا
مَوعُودًا
بِالحُرّيةِ
بالحُبِّ
بِزَهرِ السَّوسَنِ
بالآفاقْ
★     ★     ★
يا بِنتَ الحُرّ يُكَحِّلُها زَيتُ الزَّيتُونِ وَتُنْجِبُ ذَكَرًا
بِشَرَابِ التُّوتِ لَكِ الأكْوابُ امتَلأَتْ
بِشَرَابِ الوَردِ لَكِ الأكوَابْ
رَنَّ الخُلخَالُ بِصَحنِ الدَّارْ
وانعَتَقَ مِنَ الظُّلُمَاتِ نَهَارْ
قُومِي يا أُمَّ الفَارِسِ نُسرِجْ ظَهْرَ حِصَانٍ أَبيَضَ،
قُومِي لِنَعُدَّ لَهُ زَادًا وَحُسَامًا
ها قَد نَادَاهُ الأَصحَابْ
فِيهِم خَالِدُ
وعَلِيُّ
وسَعدٌ
وأًسَامَةْ
مِن مِسكِ الصَّحرَاءِ لَهُم رِيح
بالبَيرَقِ مِن سِترِ الكَعبَةِ
نَادَاهُ عَلَى البَابِ الأصحَابْ
الفَجرُ مَعَادُ الرِّحلَةِ للسَفَرِ القَاصِدْ
وَرُكُوبُ الشَّمسِ عَلَى الأُفُقِ الشَّرقِيِّ
العَادَةُ مِن زَمَنِ الفَتحِ العُمَرِيِّ
نُوَدِّعُهُم يَومًا وَنُلاقِيهِمْ
في السَّطَرِ الذَّهَبِيّ
وفي القَوسِ القُزَحِيِّ
وُجُوهًا لَم تَحرِقْهَا صَحرَاءٌ قَطَعَتْهَا
لَم تُغرِقْهَا أَنهَارٌ عَبَرتْهَا
وُلِدَت كَي تَتَذَكَّرَهَا الأجيَالُ
المُشرَعَةُ عُيُونًا نَحوَ أدِلاَّءِ الزَّمَنِ العَرَبِيِّ
المَطوِيِّ، وَرَاءِ قُرُونِ الغِيلانِ
المَرمِيِّ، بِقَعرِ الوِديانِ
المُتَنَاثِرِ كَشَظَايَا صَاعِقَةٍ بَرَدَت فِي نَجمٍ مُطفَأْ
مَازَالَ لهُ بَينَ الأَفلاكِ مَكَانْ
★     ★     ★

الثورة

بَينَ الأفلاكِ دُخَانْ
وعلى الجدرانْ
تَهَرَّأَ جِصٌ مَنقُوشٌ بِالخَتمِ السُلطَانِيِّ
وشَبَّ حَرِيقٌ فِي قَصرِ السُلطَانْ
مُذْ عَادَ أُمَيَّةُ يَسكَرُ
والعبَّاسُ يُنَاوِئُهُ الجُندُ
وحَدَّقَت الماسونيةُ فِي سِرِّ بَني عُثمَانْ
مُذْ سَرَقَ الملتزمونَ البَيْدَر
وانتَشَرَ جَرَادٌ أَخضَر
يأكلُ حتى ورقَ القرآنْ
ما كانَ محمدُ طاغيةٌ
أو كانَ الإسلامُ الطغيانْ
★     ★     ★
اصفَرَّ شُعاعُ الشَّمسِ على ريفِ الفُقَراءِ
ولاحَ دُخانْ
وتَصَدَّرت الساحاتِ الكُبرى في حاضرةِ الدَّولةِ
ساعاتٌ من غيرِ عَقَارب
صارت بيتَ عناكب
عَشَّشَ فيها دودُ الرِّشوةِ
وتَسَوَّسَ عظمُ الحُكَّامْ
البابُ العالي منخورٌ
والدِّهنُ ترَسَّبَ في الشريانْ
★     ★     ★
يا زمنَ الطربوشِ الأحمرِ
والجمعيَّاتِ السِريَّة
لم يكن الوارثُ في قَدرِ الميراثِ
وما نزلَ القرآنُ ليُقرأ
إلا باللغةِ العَرَبِيَّة
ما أعماكمْ عن هذا؟
وا أسفا!
يا زمنَ الموسيقى المَمدودةِ
كخرير النرجيلةِ في ظِلِّ خميلة
والعصرُ له وقعُ الساعةِ
في ساحاتِ المدنِ الكُبرى
والمطرقةِ على دولابِ الآلةِ
وبخارِ القاطرِة من الفُوَّهةِ الناريَّةِ
يا زمنَ الموسيقى الممدودةِ والنَّرجيلة:
فاجأَكَ الصُّنَّاع الغربيُّونَ بأسنانِ الفولاذِ
وفاجَأك صنائِعُهمْ بعيونِ الفولاذِ
وفاجأَكَ الدَّهنُ المترسِّبُ في الشِّريانْ
فانتظرْ الآنْ..
لَن ينجدَ هذي الدولةَ طورانٌ
أو يبعثَها قحطانْ
★     ★     ★
بين الأفلاكِ دُخانْ
والحربُ عَوَانْ
شَبَّت بالفحمِ الحَجَريِّ
وَثَّنَتْ بالزيتونِ الدَّهرِيِّ
وأكلتْ أشلاءَ الإنسانْ
ولَو أنَّ وقودًا باتَ يُضيءُ على جَبَلٍ
لتعزَّى الغُصنُ بما يهدي الحيرانْ
ولو أنَّ شهيدًا يتحرَّى عَلَمًا ونشيدًا
لتعزَّى الأيتامُ بذكرى الشُّجعانْ
لكنَّ الجنديَّ الغائبَ
في أوحالِ الخندقِ
أضناهُ التَّحنانْ
لرغيفِ الأُمِّ الداريِّ
وللقمرِ الطالعِ في اللَّيلِ القَرَويِّ
وقالَ يُناجي وَحلَ الخندقِ:
ــ ’’منذ زمانْ
أنا في الوحل
فدعني أخرج منكَ
إلى وحلٍ آخرَ
حتَّى أبلُغَ بَيت أبي‘‘
قالَ شريفُ القومِ:
ــ ’’لِنُطلق طَلقَتَنَا فِي ظهرِ السُّلطانْ
فلَعلَّ الشيطانَ الغَربي
يجزي بوفاءٍ للعَرَبِ‘‘
قال الشيطان:
ــ ’’مثلي من وَعَدَ فأوفى
أطلِق طَلقَتَكَ وخُذْ ذهبي’’
قالَ الضابطُ مفتولُ الشَّاربْ
المسكونُ بِحُمَّى النَّصرِ الهاربْ
ــ’’ عربُ خياناتْ..
أأكلتمْ خبزَ السلطانِ؟
وضيَّعْتُم عَهدَ السُّلطانْ؟‘‘
قالَ التاريخْ:
ــ ’’منَ ضَيَّعَ مَن؟
أهُمُ الرُّعيانْ؟ أم القُطعانْ؟‘‘
قال الفولاذُ:
ــ ’’انتهت الحربُ‘‘
وقال اللنبي: (★)
ــ ’’الآنَ استولى قلبُ الأسدِ
على ميراثِ يسوعْ‘‘
ورَدَّدَ غورو: (★)
’’ها عدنا يا قَبرَ صلاحِ الدينْ’’
وقالَ صلاحُ الدينْ:
’’لو كانَ لقبرٍ أن يمتشقَ السيفَ..
لَكَانْ..‘‘
وردَّدَ عزُّ الدينِ على مِنبَرِ جَبْلة:
’’مِزرابٌ أعقبهُ طوفانْ
وهوانٌ أعقَبَهُ خُذْلانْ
الجبلَ.. الجبلَ
النارَ.. النارَ
على من خَانْ‘‘
نداءُ الثورةِ للثوارْ:
نَهُبُّ عليهم كالإعصارِ
نُغيرُ عليهم كالعقبانِ
نثورُ عليهم كالبركانِ
فرنسا: ارتَدِّي
لا تتعدِّي
لا تتحدِّي
لنْ نفرشَ دربَكِ بالوردِ
فَلْيَلْعَنْكِ الجوعُ الضاربُ
في أحشاءِ يتامى الحَربِ
ولْيَلْعَنْكِ العَهدُ الضائعُ
ولْيَلْعَنْكِ الحلفُ الخادعُ
أمسِ ثغيتِ ثُغاءَ قطيعٍ عندَ النَّهرِ (★)
بكيتِ بُكاءَ رضيعٍ في فردانْ
طأطأتِ جثوتِ
انكشفتْ عوراتُك لعيونِ الألمانْ
أما استحيَيتِ؟
وفيمَ أتيتِ؟
وهل لا في الشرقِ تذكرتِ
صبيحَ السَجَّانْ ؟ (★)
يا صالح فارفعْ رايةَ أيوبٍ (★)
واقرعْ لهنانو طبلَ الساحلِ (★)
يأتوك رجالاً
لا يألونَ نضالاً
تأتيكَ ينابيعُ الجبلِ
وأشجارُ التينْ
تأتيكَ مغاراتُ الجبلِ
ونَبتُ اليقطينْ
يأتيكَ زبيبُ الجبلِ
ويأتيكَ الصُّوَّانْ
إن كانَ الفجرُ سَيُطلعُ شمسًا مُعتَلَّة
فليبقَ الليلُ وينشرْ ظِلَّهْ
نصرُ الحلفاءِ هو الشمسُ السوداءْ
فاستولِدْ من صفحةِ سيفكَ نورًا
من نجمٍ يَشهَدُ مسراكْ
لا تأملْ في الدُّوَلِ الكُبرى
أَمَلاً إن لم تبلغْهُ يداكْ
يا روحَ الأرضِ
ونبضَ الأرضِ
لا تسألْ كيفَ تمزَّقَ لحمُ الأرضْ
في الخلوةِ ما بينَ وزيرٍ ووزيرْ (★)
وانظرْ لجيوشِ المنتصرينْ
تغرزُ في عظمِ مفاصِلنا الأسلاكْ
ما الناقورةُ؟ ما الرَّمثا؟ ما يابوسْ؟
ما الرطبةُ؟ ما طبريَّا؟ ما العَقَبَةْ؟
هذا مسلخُ أوطانْ..
هذا مذبحُ أزمانْ..
هذا قهرُ الإنسانْ..
هذا عملُ الشيطانْ..
سنقاتلُ مهما عَزَّ النَّصرْ
سنقاتلُ فرضًا وجهادا
فإذا سُئِلتْ عَينٌ مُبصرةٌ
عن صاحبِها يومَ الحَشرْ
لم تنطقْ: كانَ جبانًا قوَّادا
أَوَ ليسَ البَصرُ بِمسئولٍ والسَّمْعْ
وفؤادُكَ إنْ أوتيتَ فؤادا
سنقاتلُ كي تَرِثَ الأولادْ
راياتٍ تورثُهَا الأحفادا
سنقاتلُ في الحَقِّ عنادا
نُلبِسُهُم في العُرْسِ حدادا
سنقاتلُ من أَجلِ الشُّهداءْ
أم طُلاَّبُ المُلكِ على الأشلاءْ
فسرابٌ ما حسبوهُ الماءْ
وإذا شربوه فلن يغدوا
إلا حراسًا للأسلاكْ
★     ★     ★
الجبلَ.. الجبلَ
ودارُ العِزِّ بأعلاهُ
دارٌ سامقةٌ شامخةً البنيانْ
وَطَّدَها الصَّخْرُ
وعزَّ بها الفتيانْ
مِنْ كُلِّ عنودٍ سَدَّ الثَّغْرةَ كالعَوسَجْ
مفتولِ الأطرافِ مُدجَّجْ
يَنقَضُّ كما الصخرُ الجَّلمَدْ
ويذوبُ إذا باتَ مهدَّدْ
ويَعُضُّ على رأسِ الأَفعى
إن جاعَ ويُطعِمُ من أَنجَدْ
وَيُسَهِّدُ مَضجَعَ من عادى
ولو أنَّ القَلعَةَ مأواهُ
يا صوتًا نادى وأَعادا
المجدُ لِسَمْعٍ لبَّاهُ
لرجالٍ فعلوا إن عَزَموا
زَحَفُوا
كَمَنُوا
انقضُّوا
هَجَمُوا
انفضوا
سَلِمُوا
رجعوا في فَلَواتِ اللْيلِ جيادا
خلعَ اللَّيل سوادا
ضَحِكَ النَّجمُ
وجاءَ البَدرُ
لِيَغسِلَ في المتوسِّطِ
جِسمَ شهيدٍ كفَّنهُ الله
بجلالٍ ثم استدناهُ
والشَّمسُ تعودُ كما كانت بيضاءْ
تحمرُّ على الغاصبِ
لكنْ تحنو للطفلِ المُنتَظِرِ أباهُ
ما بينَ الشاطئِ والنبعِ
وما بينَ الغزوةِ والغزوةْ
والصَّخرُ يلينُ لمرآهُ
الصَّخرُ يلينْ..
لكنَّ جيوشَ المحتلِّين
عَبَدَتْ صَنَمَ الفولاذِ جمادا
هل عاد مغولُ الأرضِ ضُحىً؟
أم مَن عادا؟
سَل ’’كوكب‘‘ أو سلْ ’’بغدادا‘‘ (★)
أو سَل عرباتِ الجَرِّ على الأفقِ المُغبَرْ
تسحبُ في المغربِ خيطَ دخَانْ
أو خيطَ غبارْ
والريحُ الشرقيُّ روائحْ
تُغْني أذنيك عن الأسرارْ
هذي الهبَّةُ رائحةُ حريقِ العُشبْ
هذي الهبَّةُ رائحةُ حريقِ الأشجارْ
هذي الهبَّةُ رائحةُ حريقِ الأبقارْ
هذي الهبَّةُ رائحةُ حريقِ أبيكْ
وأخيكْ
وفصيلتِكَ المشتاقةِ أنْ تُؤويك
والريحُ الشرقيُّ مذابحْ
والغاليُّونَ وراءَ الرِّيح تتارْ (★)
جاؤوا من شرقٍ أو مِن غَربْ
في القرنِ العاشرِ أو في القرنِ العشرينَ
على صهواتِ الخيلِ أو الدباباتِ ذواتِ الأبراجْ
لَبِسوا قُبَّعةَ اللبَّادِ أو اعتمروا فروَ الدِّبَبة
هو الاستعمارْ
هو الاستعمارْ
★     ★     ★
الخيلُ دفعناها ضبحا
لم تتذمرْ
حتى اصطَدَمتْ بالدباباتْ
والخيالةُ
موجاتٌ تسبحُ في موجاتْ
لم تتقهقرْ
حتى حصدتها الرشاشاتْ
(الزمنُ قطارْ..
كادت تلحقَه الخيلُ بوادي وَرْوَرْ ) (★)
لكنَّ الزمنَ قطارْ
لم يتوقفْ،
واندفعَ ودارْ
اندَفع وغابْ
وترامت حمحمةُ الخيلِ بصحراءِ الليلْ
تتضرعُ، أو تتوعدُ، أو تتفجَّرْ:
يا زَمنَ الفولاذِ الأغبرْ
لو أدركناكْ!
لو أدركناكْ!
★     ★     ★
وتَأمَّلَ عزُّ الدين الجَزرَ يعمُّ البحرْ
وتأمَّلَ كيفَ تغوصُ إلى العمقِ الأسماك
إن كانت إلا جولةْ
والمد الآن على شاطِئ (جندِ فلسطينْ)
فالحقْ بالمدِّ هناكْ
وودِّعْ (جندَ الشامْ)
الهجرةُ كانت سُنَّةَ سيِّدِكَ المقدامْ
ما مكةُ؟ ما يثربُ؟
ما جبلةُ؟ ما حيفا؟
ما يُمناكَ وما يُسراكْ
الحقْ بالمدِّ هناكْ
وكفاكَ وسامْ
حكمُ الإعدامْ
من محكمةِ الباغي السَّفَّاكْ
★     ★     ★

الهجرة

مولايَ الوافدُ من جَبْلَةُ
ــ لا يملكُ غيرَ عباءَتِه ــ
دَمِيَتْ قدماهُ من الأشواكْ
لم يُشبِه مَن عَرَفت حيفا
من طُرَّاقِ الليلِ النُسَّاكْ
كانت عيناهُ كفُوَّهتيْ نارٍ
من تحت عمامتهِ
وبدت كفَّاهُ مُقَرَّحتينْ
كفا فلاحٍ أُشقيتا رَدحًا بالقطفِ وبالغرسِ
فلاحٍ قد يُلْقى مِعوَلهُ
عجلاً في شَجَرِ الزيتونْ
يستغني عن زُوَّادَتِهِ
ويخوضُ عراكًا إثر عراكْ
لا يتوقَّفُ إلا ليُتَمتِمَ في السِرِّ
بآيِ الكُرْسي
مولاي الشيخُ تَسَنَّم جبلاً
راودَ أملاً
عركَ الثورةَ
حتى عركتهُ وسَكَنَتْهْ
تَمَرَّسَ بالحُبِّ وبالبُغْضِ
تمرسَ بالأخذِ وبالهَجْرِ
تمرسَ بالرملِ وبالصِّخرِ
تمرسَ بالدينِ وبالطينْ
’’الله يحبُّ العبدَ قويًا
عزَّ الدينْ
فاضربْ بالحقِّ، لوجْهِ الحقْ
يحفظكَ الحقْ
أو يقبضْ روحكَ
تصعدْ أعلى عليينْ‘‘
★     ★     ★
مولايَ الوافدُ قد يَتَخَفَّفُ
من وُعَثاءِ مسيرتِهِ
قد يبدو رغم جلادتِهِ
جهمًا في سمتِ المحزونينْ
ويجدِّدُ أحبابًا ودروبًا
ويجدِّد أعداءْ
والبحر هو البحرُ،
وحيفا أكبر من جَبْلَةَ
والمسجدُ أبهى
والفجرُ يوافقُ نفسَ الساعَةْ
لكنَّ غريبَ الدار حزينْ
لوْ في ساعةْ
مَن فارقَ موطنَه الأولَ
فلقد حَزَّ وريدًا في القلبْ
سيَظَلُّ يصبُّ صبيبًا
يسقي في الرملِ كئيبًا
يسقى صحراءً مجهولةْ
حتى تَنْبُتَ زنبقةٌ صفراءُ
لها وَهجُ الحزنْ
ولقد تصبحُ تلكَ الزنبقةُ خميلةْ
ولقد تلتفُّ وتصبحُ دَغَلاً
لا يدخُلُهُ الطَيرْ
فافتحْ للبحرِ نوافذَ مسجدِكَ الجامعْ
لا تزهد يا مولايَ الشيخُ بنسمتِهِ
فنسيمُ البحرِ جلاءُ القلبِ
المستحيي من غربتِه
المتفيءِ ظلَّ الطاعةْ
★     ★     ★
البحرُ هو البحرُ
وهذا الميناءُ الثغرْ
ثَغرٌ محمومٌ فيه نشاطْ
لكن لا تحرسُهُ آلامه
ثغرٌ لا يسهرُ فيه رباطْ
لم تَبقَ ثغورٌ إلا في قُبضةِ أعداءْ
تتداعى الأمم المنهومةُ
والقَصعةُ لا ترفعُ كفا
والزبدُ الرابي في البحرِ فقاعةْ
تتكسرُ قبل بلوغ الصخرْ
فامكثْ في الأرضِ لنفع الناسْ
علِّمهم كَيفَ الشعبُ الأعزلُ
يتقلَّدُ سيفا
★     ★     ★

القسام يعلم في جامع الاستقلال

اِعلَم يا وَلدي أنَّ الثَّورَةَ بِنتُ السِّرْ
تُولدُ في رَحِمِ اليَأسْ
يُودِعُ نُطفَتَها العَقلُ الرَّاجحُ في القَلبِ المَجنُونْ
تَتَغَذَّى بالحَبلِ السُرِّيِّ منَ النَّارِ المُستَعِرَةِ في الأعماقْ
فاحذَر أن يُجهِضَهَا الإِفصَاحْ
واحذَر أن يَخنُقَهَا الكِتمَانْ
والثَّورَةُ في البَدءِ زَوَاجُ الكَلِمَةِ بالإِنسَانْ
فَتَخَيَّر للنُطفَةِ أرحَامًا لا يَبصُقُ فِيها الزَّانُونْ
أرأَيتَ إلى صرحٍ في وَجهِ الرِّيحِ يُشَادْ
أَيُقَامُ على رَملٍ مِن وَحلِ المُستَنقَعْ؟
أَرَأَيتَ إلى أَتُّونٍ يسبِكُهُ الحَدَّادْ
هَل يُصنَع مِن أوشَابِ مَعَادِنَ لا تَنفَعْ؟
الثَّورَةُ صَرحٌ والثَّورَةُ أتُّونُ
والثَّورَةُ رُوحٌ غَلاَّبٌ وعِنَادْ
وصُمُودٌ يَعجَزُ عَنهُ الكَذَّابُونْ
★     ★     ★
واعلمْ يا وَلدي أنْ الثَّورَةَ أختُ رِجَالْ
لا تَبخَل أنْ تُطعِمَهَا حَبَّ العَينْ
تَحرسهَا وهي تَنَامَي بِالفِتْرِ وبالشِّبرْ
فإِذا شَبَّت وَتَوَهَّجَ خَدَّاها كالجَمرْ
حَسُنَت فِي عَينِ الثَّرثارِينْ
وَلَقَد يخطفُها عَن فَرَسِ أبِيها قُطَّاعُ الطُرُقِ
ويزعم نِسبَتَها الأعدَاءْ
وَلَقد يخطبُهَا أهلُ المَالْ
وَلَقَد يَتَعَجَّل ثَمَرَتَها حتَّى سَدَنَتُها الأَبطَالْ
لكِنَّ الثَّورَةَ يا وَلَدِي إِرثُ الأجيَالْ
★     ★     ★
إنَّكَ مِن شَعبٍ مَجبُولٍ بالنُّبلْ
إنْ يَسقُطْ مِنهُ شَهِيدٌ قامَ أُلوفْ
أَو يُخلِ الصَفَّ جَرِيحٌ هَبَّ صُفُوفْ
لا تَخشَ نُكُوصَ النَّاسِ عن الغَمَراتْ
فالناسُ بِخَيرٍ ما أضمَرْتَ الخَيرْ
والثَّورَةُ مثل كَرامَةِ صُوفِيّ
تَضعُفُ إِن يَضعُفْ مِنهُ العَزمْ
وَتَسيرُ على الماءِ بِطُهرِ النِيَّاتْ
★     ★     ★
واعلَم يا وَلَدِي أنَّ عَدُوَّكَ مَلأَ البَرَّ وملأَ البَحْرْ
فَاحذَر أَنْ يملأَ نفسَكَ أَنتْ
انتَهَتْ الحَربُ إذا احتَلَّ عَدُوُّكَ رُوحَكْ
أوْ أرسَل أَهوَاءَك تَسعَى حَولَكَ
حتَّى دَخَلَتْكَ فَهُنْتْ
إذْ عُرِفَ المَدخَلُ وَتَهَاوَى المَدخُولْ
★     ★     ★
كُنْ دِرعًا للثَّورَةِ لا كَعْبَ (أَخِيلْ)
فَسِهامُ الغَدرِ مُفَوَّقَةٌ لِلضَرْبْ
والخِدعَةُ تَوأَمُ رُوحِ الحَربْ
والثَّغرَةُ في الخَندَقِ تُغرِي الفُرسَانْ
أمَّا ثَغَرَاتُ النَّفْسِ فَتَأتِي بالطُّوفانْ
أَوَ تَدري كَم إنَّ الطُّوفَانَ وَبِيلْ؟!
★     ★     ★
واعلمْ يا وَلَدِي أنَّ الثَّورَةَ
تَعبُرُ في اليَومِ الواحِدِ أَربَعَةَ فُصُولْ
تَختَصِرُ الزَّمَنَ، وَتَهتكُ أَستَارَ المَجهُولْ
تَحتَاجُ رُؤوسًا لا تَسكَرُ من أَوَّلِ كَأسْ
فَاحذَرْ إن كُنتَ خَفِيفَ الرَّأسِ
وَعُتِّقَ لَكَ خَمرُ السُّلطَةْ
زُيِّنَ لَكَ أَن تَلعَبَ بالنَّاسِ
وَتَركَبَ أَرْواحَ الشُّهَداءْ
فالعَرَضُ يَزُولْ
لا يَبقَى إلاَّ وَجهُ الحَقِّ
وَكَفُّ القُدرَةِ، وَدِمَاءُ الشهداءْ
★     ★     ★
مَن يَركَب رُوحَ شَهِيدٍ لَم تُحمَد عُقبَاهْ
فالمَركَبُ وَعرٌ، والمُنقَلَبُ سَرِيعْ
أو يَشرَب دَمعَ يَتِيمٍ زَادَ ظَمَاهْ
والغُصَّةُ قاتِلةُ والسُمُّ نَقِيعْ
الثَّورَةُ مَعصَرَةُ الآلامْ
يَأتِيها النَّاسُ فَيَعتَصِرونَ القَلبْ
والوَيلُ لِمَنْ يَسرِقُ هذا القُربَانْ
★     ★     ★
واعلمْ يا ولدي أن الثورة ميلادُ الإِنسان
والنصرَ حصادُ الغَرسِ الطيبِ
مَوهُوبًا لِلحَقْ
لَن تَنتَصِرَ الثَّورَةُ إلا بالصِّدْقْ
وإذا انتَصَرَت بالسَّارِقِ والخَائِنِ
كَانَت بِدْعا
وانْقَضَّ لُصُوصُ الأَمسِ على جَوهَرَةِ الحُكمْ
واقتَتَلُوا حَتَّى مُزِّقَ شَملُ النَّاسْ
وانسَفَحَ عَلَى الأَرضِ الوَهمِ المَعسُولْ
ما نَفعُ الثَّورَةِ إن لَم تَصنَع زَمَنًا يَجدُرُ بالإنسَانْ
وَتَصنَعْ إنسَانًا يَجدُرُ بالنَّصرْ
★     ★     ★
المَاضِي مَدرَسَةُ الحَاضِرْ
والثَّورَةُ مَدرَسَةُ الدَّولَة
والطَّالِبُ سِرُّ مُعَلِّمِهِ
فَانظُر حَولَكَ مَاذا تُبصِرْ
أَبصِر حَولَكَ مَاذا تَنظُرْ
وإذا اشتَبَهَتْ دَربُكَ فارْجعْ
مِن حَيثُ بَدَأتَ ولا تَجزَعْ
فالثَّورَةُ عِلمٌ بالتَّجريبِ
وبالمَعلُولِ وبالعِلَّةْ
فَاصبِر نَفسَكَ لِتَعَلُّمِهِ
تَعرِفْ أعمَقَ.. تَعرِفْ أَوسَعْ
★     ★     ★

القسام يصعد إلى أحراش يعبد

يَعبَدْ...
كلِمةُ سرِّ المَوعِدْ
يَعبَدْ..
خَفَقَاتُ القَلبِ المُتَمَرِّدْ
يَعبَدْ..
فُرسانُ الغابِ المُتَوَحِّدْ
قَدْ صَدَقَ الواعِدُ والمَوعودُ
فَهَاتوا الطَّلْقَ معَ البارودْ
وجُوبُوا القِمَّةَ والأُخدودْ
ثَورَة!
القَهرُ وَقُودُ التَنُّورِ،
ونَكهَتُهُ في خُبزِ الفَلاَّحْ
مُرَّة.
في خُبزِ الرِّيفِ عجِينُ الذُّرَةِ
يُخَالِطُهُ حِنْظَلُ "بَلفورْ"
مَنْ قالَ لَهُ يَزرَعُ في المَرْجِ وفي البَطُّوفْ
هذا الطَّلْعَ كَرَأسِ الشَّيطانْ
إنَّا نَزْرَعُ شَجَرًا أَبَدِيَّ الخُضرَةِ
نَسقِي الأَرضَ
نَصُونُ العِرضَ
نُصَلِّي الفَرضَ
وَلكِن.. مِن أيِّ جَنَىً نَأكُلُ
فِي عَقِبِ نهارِ الآلامْ؟
نَأكُلُ مِن قَيءِ الهِجرَة؟
نَأكُلُ مِن سَوطِ السُّخرَة؟
نَأكُلُ مِن قِشرِ لِحَاءِ الشَّجَرَة؟
نَأكُلُ مِن عَظْمِ الأجدَادِ
ومِن ذَوبِ قُلُوبِ الأحفَادْ؟
لا.. لا..
لَن نَأكُلَ إلاّ خُبزَ الرِّيفْ
وثِمَارَ البَلُّوطِ المَنسِيَّةَ في يَعبَدْ
★     ★     ★
- هَبْ أنَّ البَارُودَ قَديمٌ
وَرِيَاحَ الغَابَةِ كالمِبرَدْ
- أمَّا البَارُودَ فَنَصنَعُهُ
والرِّيحُ القارِسُ نَدفَعُهُ
نَحنُ الثُّوَّارْ
السَدُّ أمَامَ المَدِّ البَحرِيِّ
وَقُرصَانِ الغَزوِ التَتَرِيّ
اخوَتُنَا رَهطٌ في الآثَارْ
أمٌ مُخصِبَةٌ وَلَدَتنَا وَهِي فِلِسْطِينْ
أُمُّ الثُّوَّارْ
وأَبٌ وَاحِدُ
وَهُوَ التَّارِيخُ وَزَمنُ الفَتحْ
- هَبْ أَنَّ عَدُوَّكَ ما غَابَت شَمسٌ عَن مَفرِقِ أَملاكِهْ؟
- أمَّا الأفلاكُ فَقَدْ تَسطَعْ
فِي قَبرِ المُؤمِنِ إِنْ يُصرَعْ
نَحنُ الشُّهَداءْ
صَلَّى مَولانَا عَلَينا مُنذُ أَخَذنَا العَهدْ
ضِقنَا عَينًا بالشَّمسِ وبالخُبزِ اليَوميِّ
وفَتَّحنَاها في قُدسِ النُّورِ الكُلِّيِّ
فَمَرحى للفَتحِ وللنَّصرِ
ولا أسَفًا لَو نُستَشهَدْ
ما نَحنُ بِأحجَارٍ تُلقَى في غَيرِ قَرَارْ
إِنَّا نَصعَدْ
أروَاحًا لَم تَثَّاقَلْ للأرضِ
خَفِيفٌ مَسرَاها بَينَ الأَمسِ وبَينَ الغَدْ
أَروَاحًا تُشبِهُ عُودَ النَّدْ
تَحَلَّقَ في جَوِّ الحُجرَةِ زَمَنًا وانْداحَ
وخَلَّفَ عِطرًا
خَلَّفَ ذِكرًا
ما نَحنُ بأحجَارٍ
ما نَحنُ دَوَابٌ حَمَلةُ أَسفَارْ
نَحنُ الشُّهَدَاءْ
قُولُوا لِلمَندُوبِ السَّامِي
يُبرِقْ بَلفُورًا بالأنبَاءْ
في الثَّانِي مِن تِشرينَ الثَّاني
تُذكَرُ بالشَّيءِ الأشياءْ
فَتَسَاقَط يا وَرَقَ الشَّجَرِ الحُرشِيِّ
وَأسقِط ذَاكَ الوَعدَ الأسوَدَ
للشَّيْلوكِ الصَّهيُونيِّ
سَيَهطُلُ مَطَرٌ يُحيِيكَ مِنَ الرِيِّ
وَيَغسِلكَ مِنَ الخِزيِ
تَغَسَّلْ يا شَجَرًا يَشتَعِلُ بِلا نارْ
يا أَقدَمَ مِن عَهدِ الشَّرقِي وعَهدِ الغَربِيِّ
ويا مِشكَاةَ اللهِ على الأَسحَارْ
ما السَّجدَةُ إلا شُبَّاكٌ نَجلو فيهِ وَجهَ الرَّحمنْ
والطَّلقَةُ أيضًا تَفتَحُ بابَ الرُّؤيَةِ
إِن صَحَّت فيها النِيَّة
وكَذلِكَ قَالَ القَسَّامُ القُنبُلَةُ
وفي قَولٍ آخَرَ حَقلُ الأَلغَامْ
إِن حَلَّت في شِبرٍ من هذي الدَّارِ الكُفَّارْ
مَولايَ الشَّيخُ –تَعَالى مِنبَرُهُ-
رَكِبَ الكَلِمَاتِ وصَيَّرها خَيلاً بيضاءْ
مِن شَاشِ عَمَامَتِه جَدَلَ الأرسانَ لَهَا
وَرَبَطَها في ساحَاتِ الفَلاَّحِينَ
فما لَجَمُوها
ما شكَمُوها
خيلُ القمَّةِ يَعرِفُهَا أَهلُوهَا
خيلُ الصُّبحِ وَتَعرِفُها حِطِّين
يَعرِفُهَا المُعتَصِمُ المُنجِدُ
فِي زَمَنِ الصَّيحَةِ قَبلَ قُرُونْ
هذا زَمَنُ الصَّيحَةِ يَتَجَدَّدُ
هذا المُنجِدُ
هذي خَيلُ المُعتَصِمِ تُحَمحِمُ فِي يَعبَدْ
أَتَرى يا شَيخُ سُيُوفَ صَلاح الدِّينْ؟
أَتَرى حِطِّينْ؟
الشَّيخُ يَقُولُ: أرَىَ شَجَرا
وأَرَى مَطَرا
وأَرَى شَلاَّلاً مُنهَمِرا
وأَرَى تَارِيخًا مُنتَصِرا
يَأتِي مِن خَلَلِ ضَبَابٍ وَرُكَامٍ
وَتَمَزُّقِ أَعْلامٍ
وَتَكَسُّرِ أَقلامٍ
وَتَقَطُّعِ أرحامٍ
وَتَبَدُّلِ أَزمانٍ
وَتَصَارُع أَجيَالْ..
★     ★     ★
فَاضرِبْ يا شَيخُ وَشُدَّ زِنَادا
أَشعِل في شَجَرِ الزَّيتُونِ سِرَاجًا وَقَّادا
خَلِّ السَّارِي يُبصِرْ
مِن سَهلِ السَّاحِل حَتَّى غَورِ الدَّاخِلْ
بَعضُ الخَلقِ مَنَائِرُ
بَعضُ الخَلقِ مَشَاعِلْ
خَلِّ السَّاري يُبصِرْ
خَلِّ الغَافِلَ يَسأَلْ
خَلِّ السائِلَ يَتَمَلمَلْ
خَلِّ المُتَمَلمِلَ يَزحَف وَيُقَاتِلْ
مِن سَهلِ السَّاحِلِ حتى غَورِ الدَّاخِلِ
خَلِّ النَّاسَ مَشَاعِلْ
إِنَّكَ يا شَيخِي زَيتُ القِندِيلِ
جِراحُك إِن سالَت لا تَعقِدها بالمِنديلِ
فبعضُ الجُرحِ هُتَافٌ
بعضُ الجُرحِ نَواقِيسٌ وَمَآذِنْ
فاضرِبْ
هذا زَمَنُ الحَقِّ الشَّاهِرِ سَيفا
لا خَيرَ إذا لَم يَشهَر حَقٌ سَيفا
وَاطعَن عَينَ التِنِّينِ الزَّاحِفِ نَحوَ الأَقصَى
يا أَقصى..
يا قِبلَتَنَا الأَولى
يا قُبلَةَ رَبِّ الكَونِ على جَبهةِ أَرضٍ بارَكَهَا
جَبَلاً.. سَهلا..
امرأةً.. رَجُلا..
يا مِعرَاجَ رَسُولِ الله إلى المَلأِ الأَعلَى
أَعطِيكَ دَمِي
في مِصبَاحِك للسَّاهِرِ فَوقَ صحائِفِهِ
يَتلُو آياتِ النُّورِ
بَيَانًا مِثلَ الصُّبحِ
وبُشرَى مِثلَ الفَتحْ
يا أقصَى
يا عَلَمِي
أفسِح لي في صَحنِكَ يَومَ الجُمعَةِ مَوطِئَ قَدَمِ
ها أَنا جِئتُ إلَيكَ
تُسَابِقُ رُوحِي قَدَمي
وَيُسَابِقُ سَيفِي قَلَمِي
ها أَنا جِئتُ إِليكَ
فِجَاجُ الأَرضِ دُرُوبٌ نَحوَكَ
كُلُّ العَالَمِ يَدفَعُنِي
يا وَطَنِي
أَفسِح لي في صَدرِكَ مَأوَى يَحضِنُنِي
أَو مَثوَى يَدفِنُنِي
يا وَطَنِي
يا ثَديًا أَرضَعَنِي
وَرَفيقًا لاعَبَنِي
وَحَبِيبًا عَانَقَنِي
يا رُوحِي.. يا بَدَنِي
يا وَطَنِي.. يا وَطَنِي
دَعْ مِن أَزهارِكَ زَهرًا مَيَّاسًا
يَتَخَلَّل وَجهِي في لَحَظَاتِ الخَطَرِ
حَتَّى أَضحَك بِحَنَانٍ مِن هذا الطِّفلِ اللاَّهِي
دَعْ مِن بَحرِكَ مَوجًا وَشوَاشًا
يُنشِد أُهزُوجَتِهِ الأَبَدِيِّةَ
فِي ساعَةِ نَومِي
حَتَّى أَحلُمَ أَنِّي والشَّمسِ أَنَامُ عَلَى مَهدٍ
يا وَطَنِي:
ما شَمسُكَ كالشَّمسِ
ولا نَجمُكَ كالنَّجمِ
ولا قَمحُكَ كالقَمحِ
ولا صُبحُكَ كالصُّبحِ
ولا بَحرُكَ كالبَحرِ
ولا زَهرُكَ كالزَّهرِ
★     ★     ★
أُنَادِيكَ بِصَوتِي وَبِصَمتي
بِحَيَاتِي وَبِمَوتِي
يا وَطَنِي
يا وَطَنِي
★     ★     ★
يَعبَدْ.. يَعبَدْ
صَخرٌ وَرَصَاصْ
وَخُطَى قَنَّاصْ
فِي لَيلٍ أَسوَدْ
وَنَهارٍ أَربَدْ
★     ★     ★
يَعبَدُ.. يَعبَدُ
صَمتٌ مَحمُومْ
وَسُهَادُ نُجُومْ
وَظِلالٌ تَمتَدْ
فِي أَقصَى المَشهَدْ
★     ★     ★
يَعبَدُ.. يَعبَدُ
جُرحٌ وَنَزِيفْ
وَرِياحُ خَرِيفْ
وَرَطَانَةُ مُحتَدْ
مِن سُكرٍ عَربَدْ
★     ★     ★

ساعة الشهادة

زَغردَةٌ فِي صَدرِ القَسَّامْ
لم يَشعُرْ في آخِرِ خفقة
هل كانت حورياتُ جنانْ
تطلقُها؟
أَم كانتْ طلقة؟
★     ★     ★
للطِّينِ الأخصبِ كانَ يطيرْ
فِي برِّ الشامْ
علمٌ لا تَطويه الأيامْ
ويشيعُ نداءً للتحريرْ
★     ★     ★

نشيد الأطفال

الموتُ كرامة
في عز الدينْ
والصدق علامة
للوطنيينْ
والحق عمامة
في الحربِ تزينْ
جندًا مقدامَة
وفدائيينْ
★     ★     ★


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يبكي الغريبُ عليه ليس يعرفهُ

العِقد (قصة قصيرة)