الرياضيات وأسطورة الطوفان ـ ياكوف بير يلمان
أسطورة الطوفان
نجدُ بين الأساطير الخيالية الكثيرة الواردة في الكتب القديمةِ أسطورةً تقول أن العالمَ كله قد غرقَ في غابرِ الأزمان بفعل أمطارٍ كانت أعلى من أعلى الجبال. وحسب ما يَردُ في هذه الكتب فإن الربَّ قد ’’ندِمَ مرةً على أنه خلقَ الإنسانَ على الأرض‘‘ وقال:
ـ سأهلك البشرَ الذين خلقتُهم على سطح الأرض (أي على سطح الكرة الأرضية): من البشر حتى المواشي، والزواحف والطيور السماوية سأهلكها (كلها).
وكان الإنسانُ الوحيدُ الذي أرادَ اللهُ أن يرحَمَهُ عندئذٍ، هو التقيّ نوح. ولذلك فقد حذره الربُّ مما يجري في تحضيرات لهلاك العالم، وأمرَ ببناء سفينةٍ كبيرةٍ (وسمي في الكتب القديمة بـ ’’الفلك‘‘) بالمقاييس الآتية: ’’طول الفلك ـ 300 ذراع، عرضه 50 ذراعا، وارتفاعه 30 ذراعا‘‘ وكان الفلكُ يتألفُ من ثلاثةِ طوابق. وكان يجب أن ينجو على هذه السفينةِ ليس نوح فقط مع أسرته وأسر أبنائه البالغين، ولكن كل أصناف الحيوانات على الأرض.
وأصدر الربُّ أمرَه إلى نوح أن يأخذَ في الفلك زوجًا واحدًا من كل أصناف هذه الحيوانات مع احتياطي من المأكولات لها لمدة طويلة.
واختارَ الربُّ الفيضانَ الناجم عن الأمطارِ كوسيلةٍ لإهلاك كل ما هو حي على اليابسة. ووجب على الماء أن يقضي على كل الناس وكل أصناف الحيوانات التي تعيشُ على الأرض. بعد ذلك يجب أن تظهرَ من نوح ومن الحيوانات التي أُنقذت معه سلاسة إنسانية جديدة وعالم حيواني جديد.
ويُذكر في الكتبِ القديمة أنه ’’بعد سبعة أيامٍ جاءت مياهُ الفيضان إلى الأرض.. وهطلت الأمطارُ على الأرض طيلة 40 يومًا و40 ليلة.. وتزايدت المياه ورُفعت الفلك وطاف فوق الماء.. وازدادت المياه فوق الأرض بصورةٍ خارقةٍ بحيث تغطت كل الجبال العالية التي توجد تحت السماء وارتفعت فوقها بمقدار 15 ذراعا.. فهلك كلُّ ما كان موجودًا على سطح الأرض. بقي نوح فقط وما كان معه في الفلك‘‘. وتروي الأسطورة أن المياه بقيت على الأرض ـ مدة 110 أيام أخرى، وبعد ذلك اختفت، وغادر نوح الفلك ومعه كل الأحياء التي أنقذت، لكي يعمر مرة أخرى الأرض الخالية.
سنضع سؤالين بشأن هذه الأسطورة:
- هل كان من الممكن حدوث مثل هذا السيل الذي غطى الكرةَ الأرضيةَ كلَّها بأعلى من أعلى الجبال؟
- هل كان يستطيع فلك نوح أن يتسعَ لكلِّ أصنافِ حيواناتِ الأرض؟
هل كان حدوث الطوفان ممكنا؟
تقدم الرياضيات الأجوبة على هذا السؤال وغيره أيضًا.
من أين أمكن أن تأتي المياه التي سقطت مع أمطار الطوفان؟ بالطبع من الجو فقط. وإلى أين ذهبت بعد ذلك؟ إن التربة ما كانت لتستطيع امتصاصَ محيطٍ عالمي كامل كما أنها ما كانت بلا ريب، لتستطيع مغادرة كوكبنا أيضًا. والمكان الوحيد الذي أمكنَ أن تذهبَ إليهِ كلُّ هذه المياه ـ هو المحيط الجوي للأرض: حيث أن ماءَ الفيضان كان يمكنُ أن يتبخرَ فقط ويتحوَّل إلى غشاءٍ هوائيِّ للأرض. وهناك لا بد وأن تظلَّ هذه المياه إلى الآن. إذن، لو أن كل بخار الماء الموجود الآن في الجو قد تحوَّل إلى ماء وسقطَ على الأرض فإنه لكان من الممكن حدوث طوفان مرى أخرى، ولغطت المياه أعلى الجبال. فلنراجع هل هذا صحيح.
نبحث في كتاب عن الأرصادات الجوية عن كمية الرطوبة الموجودة في المحيط الجوي الأرضي. سنعرف أن عمود الهواء الذي يرتكز على 1م مربع يحتوي في المتوسط على 16 كجم من بخار الماء، ولا يمكن أن يحتوي أبدًا على أكثر من 25 كجم. سنحسب إذن سمك الطبقة المائية التي تتكون لو سقطَ على الأرض كلُّ هذا البخار بشكل مطر. إن 25 كجم، أي 25,000 جم من الماء، تشغل حجمًا قدره 25,000 سم3. وهذا هو حجم الطبقة التي مساحتها 1م2 أي 100 × 100 أو 10,000 سم2.
وبقسمة الحجم على مساحة القاعدة نحصل على سمك الطبقة وهو:
25,000 ÷ 10,000 = 2,5 سم
إن الطوفان ما كان ليرتفع أعلى من 2.5 سم عن سطح الأرض لأنه لا يوجد ماء (*) آخر في المحيط الجوي. كما أن هذا الارتفاع من الماء كان سيتحقق فقط في حالة عدم امتصاص الأرض للمطر الساقط أبدًا.
إن الحساب الذي أجريناه يُظهرُ أن ارتفاعَ الماء الذي كان ممكنًا عند حدوث الطوفان، إن كانت مثل هذه الكارثة قد حدثت فعلا، هو 2.5 سم. وهذا الرقم لا يمكن مقارنته بالمسافة إلى قمة أعلى الجبال هو إيفرست والتي يبلغ ارتفاعها 9 كم. إن ارتفاع الفيضان مضخم في الأسطورة القديمة بما لا يقل عن 360,000 مرة!
وهكذا فلو كان الطوفان العظيم المطري قد حدث فعلا فإن هذا لما كان فيضانًا أبدًا، بل مطرًا ضعيفًا جدًا، لأنه كان سيعطي خلال 40 يومًا من السقوط المستمر كمية من المياه ارتفاعها 25 مم فقط، أي أقل من نصف مليمتر في اليوم. والمطر الخريفي الضعيف، الذي يسقط طيلة يوم واحد، يعطي ماء يزيد عن ذلك بـ 20 مرة.
هل يمكن بناء فلك نوح؟
والآن نبحث عن السؤال الثاني. هل كان من الممكن أن يسع فلك نوح كل أصناف الحيوانات الموجودة على الأرض؟
فلنحسب ’’مساحة السكن‘‘ في الفلك. فتبعًا للأسطورة القديمة كان الفلك مؤلفًا من ثلاثةِ طوابق. وكانت أبعادُ كل طابقٍ كالآتي:
300 ذراع في الطول و 50 ذراعًا في العرض. علمًا بأن ’’الذراع‘‘ عند الشعوب القديمة لآسيا الغربية كان وحدة قياس تساوي تقريبًا 45 سم أو 0.45 م، وهذا يعني أنه بمقاييسنا تكون أبعاد كل طابق في الفلك كالآتي:
الطول: 300 × 0.45 = 135 م
العرض 50 × 0.45 = 22.5 م
ومساحة الأرضية:
135 × 22.5 تساوي تقريبًا 3,040 م2.
إذن، إن ’’مساحة السكن‘‘ الكلية لكل الطوابق الثلاثة في فلك نوح تساوي:
3,040 × 3 = 9,120 م2.
هل تكفي هذه المساحة لوضع حتى كل أصناف الحيوانات الثديية الموجودة على الكرة الأرضية؟ إن عدد الأصناف المختلفة للحيوانات الثديية يساوي حوالي 3,500. كان على نوح أن يعطي مكانًا لا للحيوان نفسه فقط ولكن أيضًا لاحتياطي العلف له لمدة 150 يومًا وهي مدة الطوفان. وأما الحيوانات المفترسة فكان يلزم وجود مكان لها ومكان للحيوانات التي تتغذى بها، وكذلك لعلف هذه الحيوانات. بينما لم يكن في الفلك في المتوسط لكل زوج من الحيوانات الجاري انقاذها سوى:
9,120 ÷ 3,500 = 2.6 م2.
من الواضح أن هذا ’’المعدل المعيشي‘‘ ما كان ليكفي وبالأخص إذا أخذنا بعين الاعتبار أن جزءًا من المكان كانت تشغله عائلة نوح الكثيرة الأفراد، وإنه بالإضافة إلى ذلك كان يلزم ترك ممرٍ بين الأقفاص.
ولكن وجبَ على نوح أن يجدَ المأوى في الفلك بالإضافة إلى الحيوانات الثديية لأنواع أخرى من حيوانات الأرض، غير الكبيرة جدًا، ولكنها أكثرُ تنوعًا. وعددها، تقريبًا، هو:
| الطيور | 13,000 | |
| الزواحف | 3,500 | |
| البرمائيات | 1,400 | |
| العنكبوتيات | 16,000 | |
| الحشرات | 360,000 |
علمًا بأن المكان كان ضيقًا بالنسبة للحيوانات الثديية في الفلك، فما الحال بالنسبة لهذه الحيوانات، إنه ما كان ليكفيها بتاتًا. ووجب ليتسع الفلك لكل أنواع الحيوانات الأرضية، أن يكون أكبر بعدد كبير من المرات. ومع ذلك فبالمقاييس المبينة في الكتب القديمة فإن الفلك كان عبارة عن سفينة ضخمة جدًا تبلغ ’’حمولتها‘‘، على حد تعبير البحارة، 20,000 طن. وليس من المحتمل أبدًا أن يستطيع البشر في تلك الأزمنة الغابرة، حيث كان تكنيك بناء السفن لا يزال في فترة الطفولة، بناء سفينة بهذه المقاييس. وعلى الرغم من ذلك فإن الفلك كان غير كبير بدرجة كافية لتحقيق الغرض الذي نسبته إليه الأسطورة القديمة. ولوجب على الفلك أن يكون حديقة حيوان كاملة مع احتياطي من العلف يكفي لمدة 5 أشهر.
باختصار إن الأسطورة القديمة عن الطوفان العظيم لا تتفق مع الحسابات الرياضية البسيطة لدرجة أنه من الصعب أن نجد فيها حتى جزءًا صغيرًا من أي شيء يطابق الواقع. وأغلب الظن أنها استوحيت من فيضان محلي، أما الباقي فهو من ابتداع الخيال الشرقي الغني.
____________________
هامش (*): لا يسقط في كثير من مناطق الكرة الأرضية - في مرة واحدة - أكثر من 2.5 سم من الأمطار، وهي لا تنتج فقط من الهواء الموجود فوق هذه المنطقة ولكن من هواء الأماكن المجاورة الذي يأتي إلى هذا المكان مع الرياح. أما الطوفان العظيم فقد حدث في نفس الوقت على كل سطح الأرض، ولم تستطع أية منطقة أن تستعير الرطوبة من مكان آخر.
المصدر: ياكوف بير يلمان، الرياضيات المسلية، ترجمة: إبراهيم محمود شوشة، دار مير للطباعة والنشر، موسكو، الاتحاد السوفيتي، بدون تاريخ - (الباب الحادي عشر).