رؤية للموسيقى من منطلق حضاري إسلامي

عصام أنس الزفتاوي
بداية فإن هذا التعقيب سيحاول جاهدا أن ينأى عن تكرار القول، إلا أن محاشاة التكرار لا تعنى دوما عدم إعادة الطرح، طالما أن هناك جديد يُقال، ويُطرح على بساط البحث، محاولا تأييد وجهة النظر هذه أو تلك.
  1. وغنى عن البيان أن هناك خلاف فقهى قديم واقع على مستوى الأدلة الجزئية الفروعية فى حكم الموسيقى والغناء المصاحب لها، بين مُحِلٍّ، ومُحَرِّم، ومُتَوَسِّط باختيار تفصيل لصور الغناء، وتقسيمها على الأحكام المختلفة...
  2. واستمر هذا الخلاف إلى العصر الحديث، والذى انحاز فيه إلى الفريق القائل بالإباحة: أولئك الذين تشبعوا بالحضارة الغربية، فى فلسفتها، ومنهجها، فى غايتها ووسائلها. وهؤلاء لا يعنيهم - بحكم تحيزاتهم الحضارية - وربما أيضا لا يفهمون - بحكم تكوينهم الثقافى - الدليلَ الجزئى الشرعى للمسألة، ويطرحون نظرة كلية مشبعة بمفاهيم الجمال والفن فى ضوء الفلسفات الغربية.
  3. ولهذا فعند طرح المسألة للحوار تجد المتشرعين يعتمدون على الدليل الجزئى - إن حِلاًّ أو حرمة - وحين يقابلون بالطرح الكلى يتهافت موقفهم أشد التهافت، أما القائل بالحل فلعله أن يُسلِّم بقِيَم الجمال والفن الغربية غير منتبه إلى شدة مفارقتها لقيم الجمال والفن الإسلامية. وأما القائل بالحرمة فلعله أن يقف موقفا معاديا من قيم الجمال والفن فى نفسها ؛ حيث شعر أنها وراء إباحة ما حرمه الله، فيجعل بموقفه هذا الشرعَ الإسلامى فى موقف معاد للجمال والفن، وهو موقف أعتقد أنه خاطئ تماما ؛ لأنه غنى عن البيان إيمان الإسلام بالجمال، لكن فى ضوء خصائص الإسلام، ومميزاته.
  4. ومن الملاحظات الجديرة بالإثبات: أن الباحث المنصف فى مصادر التشريع الإسلامى واجتهادات الفقهاء المختلفة عبر القرون فى فهم هذا التشريع لا يستطيع أن يغفل الدلالات الواضحة للكثرة الكاثرة من نصوص الشارع، وكلام الفقهاء على تحريم الموسيقى، وأن هذا التحريم كان مستقرا فى التراث الفقهى إلى حد الاتفاق (ولو فى دائرة المذاهب المتبعة) - رغم محاولات إيجاد ثغرة خلاف يتكأ عليها المبيحون، لا تتجاوز حد الشذوذ الفقهى - وعبر أبواب الفقه المختلفة فى المذاهب جميعها يستطيع الباحث أن يرصد بيسر ودون كبير عناء تلك الفروع الفقهية الكثيرة المفرعة على القول بتحريم الموسيقى وآلالاتها.
  5. حتى أولئك الذين يُتَّكَأُ عادة عليهم للقول بالإباحة تجد الكثير منهم موافق لتلك الوجهة السائدة، وأبرز هؤلاء هو حجة الإسلام أبو حامد الغزالى، حيث تدوولت بعض عبارات له حملت على محمل الإباحة، لكن تأمل تراثه الفقهى ككتابيه العظيمين فى الفقه الشافعى: (الوجيز)، و(الوسيط) ينبأك عن التزامه بالوجهة السائدة القائلة بالحرمة، مما يلقى بظلال من الشك على ذلك الفهم المعاصر لعباراته تلك المتداولة، ويؤكد أن تلك العبارات قيلت فى سياق آخر، ولعله يريد به - فى اعتقادى - إنشاد الصوفية، وقصائد العشق الإلهى، وليس الغناء المعاصر بصورته الراهنة، ونقل الكلام من هذا إلى ذاك هو من باب تحريف القول إن تعمد، أو سوء الفهم فى أحسن تقدير.
  6. على أننا لو سلمنا صحة الفهم هذا فإنه فهم متروك لأن القاعدة المقررة فى فهم كلام الفقهاء: أنه إذا تعارض كلام الفقيه فى المتن مع كلامه فى الفتاوى والشروح ونحوها قدم ما فى المتن ؛ لأنه المقصود أصالة ببيان الأحكام[1].
  7. ولهذا فإن من الافتئات على حجة الإسلام الغزالى محاولات ترويج أنه قائل بالإباحة، مع مخالفة ذلك صراحة لكتبه الفقهية التى لها مكانة كبيرة[2] فى الفقه الشافعى خاصة والتشريع الإسلامى عامة وإلى يومنا هذا، والتى هى - حسب القواعد المقررة - مقدمة عند اختلاف كلامه على غيرها من مصنفاته.
  8. ولهذا فليس من المبالغة أن نعترف بأن القائل بالإباحة لا يجاوز الشذوذ فى الوسط الفقهى الإسلامى.
  9. تأسيسا على ما سبق: فإننا ننحاز - وبقوة - للوجهة السائدة القائلة بالتحريم: اقتناعا بما استدلوا من أدلة فروعية جزئية - لن نتطرق إليها اكتفاء بالجهود السابقة فى هذا الصدد - واستنادا إلى رؤية كلية ترتكز على أن للحضارة الإسلامية خصائصها ومميزاتها التى يجب - وبضراوة إن اقتضى الأمر - المحافظة عليها وعلى نقائها بشتى السبل.
  10. وبالنسبة للأدلة الجزئية فى المسألة فلى تعليق إجمالى عليها: فإنه مهما ضعفت أغلب الأحاديث المروية فى الباب، فإنه يبقى حديثان أو ثلاثة على الأقل أسانيدها صالحة للاحتجاج، وهذا كاف جدا فى المسألة إذ أنها من مطالب الظن، التى يكفى فيها الآحاد، وليست من المسائل القطعية، كما هو مقرر فى أصول الفقه.
  11. كما أن تلك الأحاديث الضعيفة بعد استبعاد الواهى منها، والضعيف ضعفا شديدا بما يمنع الاعتبار والاستشهاد، فإنه يبقى منها جملة تصلح للاعتبار، ويقوى بعضها بعضا على قاعدة حفاظ الحديث، بما يجعلها ترقى إلى درجة الحَسَن إلى غيره، وهذا كاف فى إثبات الحرمة كما هو مقرر فى محله من علم مصطلح الحديث وأصول الفقه.
  12. ومن جهة أخرى فإنه وقع فى ثنايا بحث فضيلة الدكتور عمارة بعض التعميمات التى بحاجة إلى تريث كبير، واستقراء واسع حتى يمكن القول بها من ذلك قوله حفظه الله تعالى: "جرت السنة بإباحته منذ غنت الجوارى، وسمع الرجال فى بيت النبوة، وبيت الصحابة"، "عرض الفكر الإسلامى للغناء باعتباره فطرة إنسانية تحاكى بها الصنعة الإنسانية الخلقة الإلهية فى الطيور والأشجار..."، "وإذا كان هذا هو منطق الفطرة وبرهان العقل، فإن برهان النص والنقل فى الإسلام يدعم هذه النظرة التى جعلت الغناء من المباحات فى ذاتها"، "كان للغناء مكانه فى المجتمع النبوى"، "هذا هو النموذج الإسلامى فكان للغناء مكانه فى المجتمع النبوى، والسنة النبوية، بالقول والإقرار حتى أصبحت هذه السنة من السنن العملية".
    إن مثل هذه العبارات تشير إلى أن ذلك كان لهم ديدنا وعادة، ولم يكونوا - يعلم الله - فى ذلك من شىء، وأدل دليل على ذلك حديث عائشة والجوارى اللاتى كن يغنين، وإنكار أبى بكر عليهن، فإنه أدل دليل على كون ذلك لم يكن شائعا فى بيوتهم، ولا له مكانة فى مجتمعهم، ولا كان نموذجا إسلاميا.
  13. ومن جهة أخرى فإنه لا يستفاد من تلك الوقائع كونها نماذج إلى آخر ما قاله الأستاذ الكاتب إلا إذا أصبغنا عليها صفة العموم، وذلك مخالف للقواعد الأصولية، إذ المقرر فى علم الأصول أن وقائع الأعيان والأفعال لا عموم لها، فكيف يستفاد من واقعة عين (غناء الجوارى فى بيت عائشة) أن ذلك "جرت السنة بإباحته منذ غنت الجوارى وسمع الرجال فى بيت النبوة وبيت الصحابة"، أو أن يصبح بتلك الواقعة مكان للغناء فى المجتمع النبوى على حد تعبير الكاتب.
  14. ومهما رُئِيَت تلك الوقائع من السنة على أنها تدل على الإباحة، فإن ذات تلك الوقائع تدل على أن الواقع الذى نعيشه - والتى ستؤدى فتوى الجواز إلى تكريسه وتبريره - ليس من الإسلام فى شىء، فأين تلك الوقائع التى تدل على جواز شىء من اللهو البرىء فى بعض الظروف الاستثنائية، وغير اليومية، وغير المعهودة، من واقعنا الذى تمثل الموسيقى فيه ركنا ركنيا، وزادا يوميا، وطقسا من طقوس الحياة المعاصرة.
  15. ولهذا فإن القضية اليوم ليست هل الموسيقى حلال أم حرام. بل القضية: هل النموذج المروج له اليوم حلال أم حرام، ذلك النموذج التى تدخل الموسيقى وفنون الغرب فى سداه ولُحمته.
  16. ومن ثَم فإن المقارنة إنما هى بين نموذجين للحياة، ولهذا فتقديم الوقائع التى يستنبط منها الجواز على أنه نموذج لمجتمع النبوة ابتسار شديد له، واختزال مخل بقيم المجتمع الإسلامى حتى توضع فى صورة معادلة لمجتمع اليوم، وأنا أربأ بالكاتب الكبير أن ينتهى به الكلام إلى تلك النتيجة.
  17. والذى لا بد من تأكيده أن المفتى كما ينظر بعين إلى نصوص الشرع، وعصر النبوة، فعليه أن ينظر بعينه الأخرى إلى الواقع المعاش، حتى تخرج فتواه دواء شافيا لأمراض عصره. تذكرنى فتاوى الإباحة بواقعة حدثت فى الهند، عندما أراد الهندوس من المسلمين أن يتركوا ذبح البقر، ولهم ما يشاءون، فأبى الشيخ الدهلوى رحمه الله ذلك، وقال: إن ذبح البقر من أعظم القربات الإسلامية، وكان فتواه حائلا دون ضياع المسلمين ضياعا تاما فى الهند، ولو كان اقتصر على النظر للدليل الجزئى لأوصله ذلك إلى أن ذبح البقر مباح يجوز تركه وفعله، فلا بأس إذن بتركه إذا ترتبت عليه مصلحة من انتهاء الفتن والمذابح...، لكن فى الحقيقة فإن ذلك كان سيؤدى إلى تكريس وضع الضياع، وسيكون فاتحة شر لتضييع خصوصيات المسلمين واحدة تلو الأخرى، حتى يتم إذابتهم فى مجتمع الهندوس.
  18. وفى الحقيقة فإن الفتاوى المبيحة للموسيقى والغناء، أو الفتاوى غير الحاسمة التى تكتفى بالقول بأن الغناء والموسيقى صوت حسنه حسن وسيئه سيىء هى فتاوى تكرس الواقع المعاش، والذى لا يشك أحد فى بعده عن النموذج الحقيقى لمجتمع النبوة.
  19. والمستفتى العادى لا يسأل عن الموسيقى كصورة ذهنية مجردة، أو قضية منطقية (إن كان.. فيكون..)، وإنما يسأل عما يعرض عليه ليل نهار فى (الفيديو كليب)، والألبومات الغنائية  وليالى التلفيزيون وغيرها، هل هو حسن أم قبيح، وما مدى قربه أو بعده من النموذج الإسلامى ومجتمع النبوة، هل هذا الغناء وتلك الموسيقى الشائعة اليوم، هى تلك التى كان لها مكانة فى مجتمع النبوة على حد تعبير الدكتور عمارة. ولهذا فإن الإجابة بعيدة عن محل السؤال، أو غير مباشرة، والمستفتى يريد إجابة حاسمة، وليس قسمة عقلية، وقاعدة كلية يقيس عليها.
  20. أما قياس الموسيقى على أصوات الطبيعة فإنه قياس مع الفارق الشاسع، فالموسيقى ليست مطلق صوت بسيط جميل كأصوات الطبيعة، بل صوت يؤثر انفعالات نفسية معقدة، ولا زال العلماء المختصون مختلفين فى أسباب ذلك التأثير العميق للموسيقى على النفس الإنسانية، وهو تأثير أبلغ وأقوى من تأثير أصوات الطبيعة. ويكفى للدلالة على ذلك أننا لم نر أحداً أثارت فيه أصوات الطبيعة انفعالا عنيفا، أو رغبة آثمة، أو تحفيزا لقتال، أو رعبا وخوفا... إلى غير ذلك من الانفعالات العجيبة التى تنتجها أنواع الموسيقى المختلفة.
  21. ولو سلمنا بإباحة الموسيقى فأى موسيقى تباح، هل هى تلك الموسيقى التى نبتت فى معابد اليونان، وترعرعت فى أحضان الكنيسة الغربية، ثم خرجت من عباءتها، وأخذت تعبر عن فلسفات النهضة والاستنارة، والحداثة وما بعد الحداثة.
  22. ويكفى الاطلاع مثلا على كتاب بول هنرى لانج عن الموسيقى والحضارة (طبعا الحضارة الغربية) لنعرف مدى تلك العلاقة الوثيقة بينهما، فبينما نبتت الموسيقى نباتا طبيعيا فى أحضان تلك الحضارة عبر مراحلها المختلفة عبر التاريخ، وتطور الموسيقى فيها يعد مظهرا من مظاهر تطورها الحضارى بكل اتجاهاتها حتى التقنى منها.
    وعلى العكس فإن الموسيقى فى حضارتنا ابنا لصيقا تسرب إلينا مع ما تسرب من فلسفات اليونان حينما كانت الموسيقى جزء من العلم الرياضى، وتسرب إلينا مع بقايا الحضارة الفارسية القديمة. واستمر محصورا فى أضيق حدود داخل صرح الحضارة الإسلامية، حتى هيمنت علينا حضارة الآخر بكل ثقلها، والذى لا بد أن نعترف معه بأننا متحيزون - ولو رغما عنا - للموسيقى فى ظل الحضارة القائمة، والذى لا يعرف حتى القائل بالتحريم كيف يتجنبها.
    فمسألة إباحة الموسيقى أو حرمتها هى أعمق وأعقد من مجرد النظر فى الأدلة الجزئية، ولا يمكن نزع المسألة من إطارها الحضارى المهيمن.
  23. وليس من المتوقع أن يفهم الآخر موقفا معاديا للموسيقى ؛ لأن تلك الموسيقى جزء من ضميره، وطقوسه الدينية، كما هى جزء من تاريخه الحضارى، تماما كما أنه لا يمكن له أن يفهم موقفنا من مدينة القدس لأنها أيضا جزء من ضميره الدينى، وأبعاده التاريخية الحضارية[3]، فكما لا يتسنى له أن يعى أن الناصرة وبيت لحم ومهد المسيح يجب أن تكون أرضا إسلامية، فإنه لا يتسنى أن يعى موقفا حضاريا أصيلا مخالفا للقالب الفنى الذى ينشد فيه ترانيمه وصلواته. ثم ها هو فى صراعه الحضارى يستصحب معه ذلك القالب للتعبير عن كل ما مر به من إصلاح دينى، وإصلاح سياسى، وحروب دامية، وتيارات فكرية...، لدرجة أنى أعتقد أنه لا يمكن لأحد أن يفهم الموسيقى الغربية فى مراحلها المختلفة إلا إذا كان كاثوليكيا بروتستانتيا إنجيليا...، ثم بعد ذلك ملحدا تنويريا عقلانيا...، وهو فى كل ذلك واعيا لحركة الحضارة الأوربية، بكل أبعادها.
  24. ولكن ما شأننا نحن المسلمون بكل ذلك، والحضارة ليست حضارتنا، بل والزمان ليس زماننا، ونحن لسنا فى تفاعل حضارى، بل فى انفعال حضارى، إن لم يكن انسحاقا[4].
  25. ولهذا ففى مثل تلك الفترة الحالكة حضاريا ينبغى أن يكون أول واجب فكرى علينا هو الذود والدفاع عن كل خصوصية حضارية لنا، حتى ولو كانت شكلية، أو قُل الدفاع عما تبقى لنا من خصوصيات، فكم هى تلك التى فقدناه خلال قرنين من الانفعال/ الانسحاق الحضارى.
  26. إذن - وفى هذا الإطار الحضارى - فعلى من يميل إلى إباحة الموسيقى أن يقيدها - حفاظا على شىء من الخصوصية - بأن تكون نابعة من نفس مؤمنة موحدة بالله تعبر فى فنها عن ذلك التوحيد تماما كما عبرت فنون الإسلام من عمارة وزخرفة وخط... عن كلمة التوحيد، فأين تلك الموسيقى التى تشعرك بحضارتك وإسلامك وقيمك وخصوصيتك تشعرك بلا إله إلا الله تماما كما تشعرك العمارة الإسلامية بالله فى كل حجر وزاوية.
  27. الموسيقى ورؤية حضارية:

  28. وكى لا تختلط الأوراق فإننا ينبغى أن ننبه - رغم بداهيته - على أن الموسيقى وغيرها من القوالب الفنية لا تتجاوز أن تكون وسائل لتحقيق مقاصد حضارية، وأنه مهما كانت تلك المقاصد - جدلا- محل اتفاق بين الحضارات فإنه ليس من الضرورى أن تكون وسائل تحقيقها فى ذات المحل من الاتفاق، وأنه ليس للوسائل دوما حكم المقاصد.
  29. ودائما وأبدا: إذا قلت: الموسيقى حرام. جابهوك بقولهم: وهل يكره الإسلام الجمال، وهل يكره الإسلام الذوق الرفيع، والمشاعر الرقيقة. وهكذا ينتقل البحث من الكلام عن وسيلة - مجرد وسيلة - إلى الكلام عن المقاصد، ودون أن ينتبه بعض المتشرعين يسقطون فى شرك تلك المغالطة، فيعترف فريق بتلك المقاصد، ويتعدى اعترافه إلى ما يحققها من وسائل غربية، ويتأثم فريق - نظرا للأدلة الجزئية - من إباحة تلك الوسيلة، ويقف حيرانا أمام ما رُفع فى وجهه من مقاصد حضارية. وبينما يبدو الفريق الأول فى نظر المتدينين فى صورة المتساهلين فى دينهم، يبدو الفريق الثانى فى نظر المتشبعين بحضارة الغرب فى صورة غلاظ المشاعر، جفاة الذوق، قساة القلوب.
  30. ولهذا فلا بد أن نؤكد - أعظم ما يكون التأكيد - أن الحضارة الإسلامية متميزة أشد التميز إن فى مفاهيمها، أو مقاصدها، أو وسائلها.
  31. وليس بالضرورى إذا آمنا بالجمال والفن أن يكون مفهومنا الإسلامى له مطابقا، أو موافقا، أو مقاربا له فى الحضارة الغربية، كيف ولكل فليسوف غربى مفهومه الخاص وفلسفته الخاصة للجمال والفن، فلماذا تمارس كل أساليب القصر والإرهاب الفكرى لحمل الفكر الإسلامى على تبنى وجهات نظر غريبة عنه، ليست محل اتفاق فى البيئة التى خرجت منها.
  32. وإذا كانت الموسيقى تعنى بتنظيم الانفعالات الإنسانية حسب قواعد الجماليات، فإن التسليم لموسيقى الآخر هو تسليم لفلسفته، وقيمه الجمالية الخاصة به، والتى لا ينبغى إملاؤها علينا.
  33. وفضلا عن التميز فى المفاهيم ؛ فللحضارة الإسلامية مطلق الحق فى أن تتميز فى وسائل تحقيق تلك المفاهيم، ودون أن تتهم بتحجر المشاعر وانعدام الذوق والجمال. ولهذا يصبح من السلوك الحضارى الشائن ما يمارسه دعاة الاجتهاد والعصرية لفرض قوالب فنية غريبة على الحضارة الإسلامية.
  34. وفى نفس الوقت فإنه لا يجب على الفنان المسلم المعاصر أن يحصر نفسه فى القوالب الفنية الإسلامية التراثية حتى يستشعر بإسلامية فنه، بل عليه أن يبدع قوالب فنية لن نقول لا تتجاوز أحكام الشريعة - فالشريعة حضن دافئ وليست سجنا حاصرا - بل نقول: قوالب فنية متشبعة بتلك الشريعة وتعبّر عن فلسفتها ، شأن أى فنان أصيل يعبر فى فنه عن قناعاته الحضارية، وليس ملزما فى التعبير عن إبداعه اتخاذ قالب فنى معين يصطدم مع قناعاته الفقهية، بل له أن يتخذ غير ذلك من القوالب الفنية، أو يبدع قوالب جديدة، يستشعر فيه عن صدق قيمه الحضارية.
  35. ومن جانب آخر فإن قيم الحضارة الإسلامية الصافية ليست فى حالة اضطرار إلى القالب الموسيقى للتعبير عنها ؛ فالقول بتحريم الموسيقى لا يعنى أن الإسلام يعادى صورة من صور الحضارة ؛ لأن الموسيقى مجرد قالب فنى طرحته بعض الحضارات، وليس ملزما لكافة الحضارات الأخرى، ومحاولة فرضها وتعميمها، بل وجعلها مقياسا للحضارة هو من قبيل القسر الفكرى، والاضطهاد الحضارى.
  36. ومهما قيل بما للموسيقى من تأثير فى الترقى الروحى، فإن ذلك لا شك نابع من الأصول الكنسية للموسيقى، والتى تدخل الموسيقى فى نسيج طقوسها وشعائرها الدينية، ولا يمكن أن يكتب تاريخ الموسيقى بعيدا عن تاريخ الكنيسة فى الغرب، وحتى بعد الخروج على الكنيسة لا زالت الموسيقى ملتحمة أشد الالتحام بالتطور الفكرى والفلسفى للغرب، والذى نعلم جميعا إلى أى مدى وصل إليه.
  37. فكما تدعو بعض الموسيقى للإيمان والرقى، يدعو بعضها الآخر للإلحاد والإباحية، فهى إذن وسيلة ليست خالصة للترقى الروحى.
  38. وفى المقابل فإن الإسلام يطرح وسائله الخاصة فى ترقية النفس والروح وتهذيبها، وتنظيم الانفعالات النفسية الإنسانية، وهى وسائل أنجع وأبلغ فى تخليص النفس من آصارها.
  39. وحسب هذا التعقيب أنه يحاول أن يضع إحدى مشكلاتنا  فى إطارها الصحيح، فى خطوة نحو حل واع وعميق لها، ولهذا فلست هنا بصدد الحديث عن فلسفة جمال إسلامية فلها مجالها ومتخصصوها.
    كما أننى لست فى صدد طرح أو اقتراح وسائل ما بديلة، فالوسائل الفنية لن تأتى أبدا من خلال كلمة تكتب أو تقال، وإنما تأتى من خلال معاناة فنية لروح مبدعة تشبعت بقيم الإسلام وجماليته وأخلاقه، ورؤيته الشاملة للكون والحياة وما ورائهما، والله تعالى أعلم.
- المصدر: مجلة المسلم المعاصر، عدد 95.

______________________________
[1] وهذه قاعدة مطردة، نصوا عليها فى أماكن كثيرة، ولهذا تقدم مصنفات النووى - مثلا- الفقهية على فتاواه، وكذلك الحال بالنسبة إلى ابن حجر والرملى وكلاهما لهما عدة مؤلفات فقهية كما له فتاوى مشهورة، وتقدم المصنفات الفقهية على الفتاوى، ومهما قيل بترتيب تلك المصنفات الفقهية من حيث المنزلة - حسب الدقة - فإن أدونها منزلة مقدم على الفتاوى، فلا بد من مراعاة ترتيب الكتب.
[2] لمعرفة هذه المكانة: نحيل على الفوائد المكية للسقاف ضمن مجموعة سبع كتب مفيدة، طبع مصطفى الحلبى، حيث يعلم منه أن مدار كتب الشافعية على كتب الغزالى منذ ألفها. كما نجد نصوصا للإمام النووى يصرح فيها بأن وسيط الغزالى كان أحد أربعة متون متداولة، بالإضافة إلى الكثرة الوافرة من الإشارات فى كتب الطبقات الدالة على أهمية كتب الغزالى الفقهية وخاصة الوسيط والوجيز (راجع: دراسات فى المذهب الشافعى - للباحث - تحت الطبع).
[3] راجع لهذا الموضوع: (اختلاق إسرائيل القديمة - إسكات التاريخ الفلسطينى) لـ: كيث وايتلام، ومقدمة المترجمة الدكتورة سحر الهنيدى، (عالم المعرفة - عدد 249) والكتاب ومقدمته مليئان بالإشارة إلى ذلك، راجع على سبيل المثال: ص 20، 45، 47، 51، 74، 77، 83، 86: 94.
[4] فى اللغة: تفاعلا إذا اشتركا فى فعل واحد، كتقاتلا، وتضاربا،... أما الانفعال فهو الوقوع تحت فعل الغير، ضربه فانضرب، وقتله فانقتل، وسحقه فانسحق.


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يبكي الغريبُ عليه ليس يعرفهُ

العِقد (قصة قصيرة)

أنشودة القسام ـ للشاعر: ناهض منير الريس