بروتوكولات حكماء العرب ـ محمد الماغوط
لا تكن ودودا، فهذا زمن الحقد.
لا تكن وفيا، فهذا زمن الغدر.
لا تكن نقيا، فهذا زمن الوحل.
لا تكن عاطفيا، فهذا زمن الجليد.
لا تكن موهوبا، فهذا زمن التافهين.
لا تكن قمة، فهذا زمن الحضيض.
لا تكن شجرة، فهذا زمن الفؤوس.
لا تحن على طفل، فهذا زمن العجزة والمسنين.
لا تغث ملهوفا، فهذا زمن الأبواب المغلقة.
لا تستجر بصديق أو جار أو قريب، بقصيدة أو لوحة، بجد أو جدة، فهذا زمن التنكر والمتنكرين.
لا تصدر أي صوت ولو في دورة المياه، فهذا زمن الوشاة والمخبرين.
ثم لا تقطع صلتك بقاضٍ فقد تصبح متهمًا.
بمتهم.. فقد يصبح حارسا.
بحارس.. فقد يصبح لصا.
بلص.. فقد يصبح ثريًا.
بثري.. فقد يصبح متسولا.
بمتسول.. فقد يصبح رصيفا.
برصيف.. فقد يصبح حذاء.
لا تقطع صلتك بشيء، فأي شيء قد يصبح كلَّ شيء.
ولكن، الإنسان الذي لا يستطيع إلا أن يكون ودودا ووفيا وبريئا وشامخا وطفلا ماذا يفعل؟
هل يبقع ثيابه بالوحل ويموِّه رأسه بالحشائش والأغصان، ويختبئ في الكهوف وشعاب الجبال؟
لن يكون أكثر براعة وخبرة من غيفارا.
هل يلجأ إلى الأديرة وبيوت الأولياء؟
لن يكون أحسن حظا من البابا شنودة.
إذًا، لا مفر لنا من أن نظل ودودين وأوفياء وعاطفيين وصادقين وشامخين.
سنظل أبرياء ولو بقوة الرصاص.. فمهما كانت السيوف طويلة لن تكون بطول الزمن. فلقد رأينا وقرأنا عن الكثير من الأقدام المغلولة الحافية تحت لهيب الصحراء وهي تدوس على ظلال المنتصرين.
ولكن، أنا الفلسطيني المرقّع بألف وطنٍ ولا وطن لي.
أنا الهائم في البحار العربية كبقعة الزيت العائمة، كل الشواطئ ترفضها ومعظم الدول تطاردها وتتعقب آثارها.. أين أستقر؟
فلسطين،
ليس لي أطفال، أنتِ طفلتي.
ليس لي أصدقاء، أنتِ صديقتي.
ليس لي تاريخ، أنتِ تاريخي.
ليس لي مستقبل، أنتِ مستقبلي.
أنتِ المشيمة التي تربطني بما تبقى من سحر الوطن والعروبة، ومن متعة النوم والاستيقاظ، والتدخين والمناقشة.
ولكن، كيف أراك وقد سملوا عينيَّ؟
كيف أصل إليك وقد بتروا قدمي؟
كيف أشمّ رائحتك وقد جدعوا أنفي؟
كيف أعانقك وقد أوثقوا يديَّ؟
كيف أنطق باسمك وأكياس الرمل حول فمي؟
يا إلهي!
امنحني قوة الفولاذ ورقّة الفراشة.
جمود الحجر ومرونة الراقصة لأعبر يومي بسلام.
امنحني عقل اينشتاين لأستوعب ما يجري على الساحة العربية.
وجسد سميرة توفيق لأتحمل ما يجري.
امنحني غباء الأوزة لأصدِّق ما أرى.
وبراءة جان دارك لأؤمن بما أسمع وأرى.
امنحنى أرجل العنكبوت لأتعلق أنا وكل أطفال الشرق بسقف الوطن لتمرّ هذه المرحلة.