جبران خليل جبران
شاعر وكاتب ورسام لبناني من أدباء وشعراء المهجر، وقصيدة ’’المواكب‘‘ من أعماله المشهورة، يقول فيها:
| الخَيرُ في الناسِ مَصنوعٌ إِذا جُبرُوا |
| وَالشرُّ في الناسِ لا يَفنى وَإِن قُبرُوا |
| وَأَكثَرُ الناسِ آلاتٌ تُحرّكُها |
| أَصابِعُ الدَّهرِ يَومًا ثُمَّ تَنكَسِرُ |
| فَلا تَقولَنَّ هَذا عالمٌ عَلمٌ |
| وَلا تَقولَنَّ ذاكَ السَّيدُ الوَقرُ |
| فَأَفضَلُ الناسِ قطعانٌ يَسيرُ بِها |
| صَوتُ الرُّعاةِ وَمَن لَم يَمشِ يَندَثِرُ |
| لَيسَ في الغاباتِ راعٍ |
| لا وَلا فيها القَطيع |
| فَالشّتا يَمضي وَلَكِن |
| لا يُجاريهِ الرَّبيع |
| خُلِقَ النَّاسُ عَبيدًا |
| لِلَّذي يَأبى الخُضوع |
| فَإِذا ما هَبَّ يَومًا |
| سائِرًا سارَ الجَميع |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا يَرعى العُقول |
| وَأَنينُ النَّايِ أَبقى |
| مِن مَجيدٍ وَذَليل |
| وَما الحَياة سِوى نَومٍ تُراوِدُهُ |
| أَحلامُ مَن بِمرادِ النَّفسِ يَأتَمرُ |
| وَالسرّ في النَّفس حزن النَّفس يَسترُهُ |
| فَإِن تَوَلَّى فَبِالأَفراحِ يَستَتِرُ |
| وَالسرّ في العَيش رَغدُ العَيشِ يَحجبُه |
| فَإِن أُزيلَ تَوَلّى حَجبَهُ الكَدَرُ |
| فَإِن تَرَفَّعتَ عَن رَغدٍ وَعَن كَدَرٍ |
| جاوَرتَ ظلَّ الذي حَارَت بِهِ الفِكَرُ |
| لَيسَ في الغاباتِ حزنٌ |
| لا وَلا فيها الهُموم |
| فَإِذا هَبَّ نَسيمٌ |
| لَم تَجئ مَعهُ السَّموم |
| لَيسَ حزنُ النَّفسِ إِلا |
| ظلّ وَهمٍ لا يَدوم |
| وَغُيومُ النَّفسِ تَبدو |
| من ثَناياها النُّجوم |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا يَمحو المِحَن |
| وَأَنينُ النَّايِ يَبقى |
| بَعدَ أَن يَفنى الزَّمن |
| وَقلّ في الأَرض مَن يَرضى الحَياة كَما |
| تَأتيهِ عَفوًا وَلَم يَحكم بِهِ الضَّجرُ |
| لذاكَ قَد حَوَّلوا نَهرَ الحَياةِ إلى |
| أَكواب وَهمٍ إِذا طافوا بِها خَدرُوا |
| فَالنَّاسُ إِن شَرِبُوا سُرّوا كَأَنَّهُمُ |
| رُهنُ الهَوى وَعَلى التَّخديرِ قَد فُطرُوا |
| فَذا يُعَربِدُ إن صَلَّى، وَذاكَ إذا |
| أَثرى، وَذلكَ بِالأَحلامِ يَختَمِرُ |
| فَالأَرضُ خَمَّارَةٌ وَالدَّهرُ صاحبها |
| وَلَيسَ يَرضى بِها غَير الأُلى سكرُوا |
| فَإِن رَأَيتَ أخا صَحوٍ فَقُل: عجبًا! |
| هَلِ اِستَظَلَّ بِغَيمٍ مُمطِرٍ قَمَرُ |
| لَيسَ في الغاباتِ سكرٌ |
| مِن خَيالٍ أو مُدام |
| فَالسَّواقي لَيسَ فيها |
| غَير إِكسيرِ الغَمام |
| إِنَّما التَّخديرُ ثَديٌ |
| وَحَليبٌ لِلأَنام |
| فَإِذا شاخُوا وَماتُوا |
| بَلَغوا سنَّ الفِطام |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا خَيرُ الشَّراب |
| وَأَنينُ النَّايِ يَبقى |
| بَعدَ أَن تَفنى الهِضاب |
| وَالدِّينُ في الأرضِ حَقلٌ لَيسَ يَزرَعه |
| غَيرُ الأُلي لَهُم في زَرعِهِ وَطَرُ |
| مِن آمِلٍ بِنَعيمِ الخُلدِ مبتشرٍ |
| وَمِن جَهُولٍ يَخافُ النّارَ تَستعِرُ |
| فَالقَومُ لَولا عِقابُ البَعثِ ما عَبَدوا |
| رَبًّا، وَلَولا الثَّوابُ المرتَجَى كَفَرُوا |
| كَأَنَّما الدِّينُ ضَربٌ مِن مَتَاجرهم |
| إن وَاظَبوا رَبحوا، أَو أهملوا خَسِرُوا |
| لَيسَ في الغاباتِ دِينٌ |
| لا وَلا الكُفرُ القَبيح |
| فَإِذا البُلبُل غَنَّى |
| لَم يَقل هَذا الصَّحيح |
| إنَّ دِينَ النَّاسِ يَأتي |
| مِثلَ ظِلٍّ وَيَرُوح |
| لَم يَقُم في الأرضِ دِينٌ |
| بَعدَ طَهَ وَالمَسيح |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا خَيرُ الصَّلاة |
| وَأَنينُ النَّايِ يَبقى |
| بَعدَ أَن تَفنى الحَياة |
| وَالعَدلُ في الأَرضِ يُبكي الجنَّ لَو سَمِعوا |
| بِهِ وَيستَضحكُ الأَموات لَو نَظَروا |
| فَالسّجنُ والموتُ لِلجَانينَ إِن صَغرُوا |
| وَالمجد وَالفَخر وَالإِثراء إن كبرُوا |
| فَسارق الزَّهرِ مَذمومٌ وَمُحتقَرٌ |
| وَسارِقُ الحَقل يُدعى الباسِلُ الخطرُ |
| وَقاتلُ الجسمِ مَقتولٌ بِفعلَتِهِ |
| وَقاتلُ الرُّوحِ لا تَدري بِه البَشَرُ |
| لَيسَ في الغاباتِ عَدلٌ |
| لا وَلا فيها العِقاب |
| فَإذا الصَّفصافُ أَلقى |
| ظِلَّهُ فَوقَ التُراب |
| لا يَقولُ السّرو هَذي |
| بِدعَةٌ ضِدّ الكِتاب |
| إِنَّ عَدلَ الناسِ ثَلجٌ |
| إِن رَأَتهُ الشَّمسُ ذاب |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا عَدل القُلوب |
| وَأَنينُ النَّايِ يَبقى |
| بَعدَ أَن تَفنى الذُّنوب |
| وَالحَقُّ لِلعَزم، والأَرواحُ إن قويت |
| سادت، وَإِن ضعفت حَلَّت بِها الغِيَرُ |
| فَفي العَرينَةِ ريحٌ لَيسَ يقرُبهُ |
| بَنو الثَّعالبِ غابَ الأُسدُ أَم حَضرُوا |
| وَفي الزَّرازيرِ جُبنٌ وَهيَ طائِرَةٌ |
| وَفي البزاةِ شُموخٌ وَهيَ تحتَضِرُ |
| وَالعَزمُ في الرُّوحِ حَقٌ لَيسَ يُنكرُهُ |
| عَزمُ السَّواعدِ شاءَ النَّاسُ أَم نكرُوا |
| فَإِن رَأَيتَ ضَعيفًا سَائِدًا فَعَلى |
| قَومٍ إذا ما رَأوا أَشباهَهم نَفَرُوا |
| لَيسَ في الغاباتِ عَزمٌ |
| لا وَلا فيها الضَّعيف |
| فَإِذا ما الأُسدُ صَاحَت |
| لَم تَقُل هَذا المخيف |
| إِنَّ عَزمَ الناسِ ظِلٌ |
| في فَضا الفِكر يَطوف |
| وَحُقوق النَّاسِ تَبلى |
| مثل أَوراق الخَريف |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا عَزمُ النُّفوس |
| وَأَنينُ النَّايِ يَبقى |
| بَعدَ أَن تَفنى الشُّموس |
| واَلعلمُ في النَّاسِ سبلٌ بانَ أَوّلها |
| أَمَّا أَواخرها فَالدَّهرُ وَالقَدَرُ |
| وَأفضَلُ العلمِ حُلمٌ إِن ظفرتَ بهِ |
| وَسرتَ ما بَينَ أَبناءِ الكَرى سَخِرُوا |
| فَإِن رَأَيتَ أَخا الأَحلامِ مُنفَرِدًا |
| عَن قَومِهِ وَهوَ مَنبوذٌ وَمُحتَقَرُ |
| فَهوَ النَّبيُّ، وَبُردُ الغدِّ يحجُبُهُ |
| عَن أُمّةِ برِداءِ الأَمسِ تَأتَزِرُ |
| وَهوَ الغَريبُ عَن الدُّنيا وَساكنها |
| وَهوَ المُجاهِرُ، لامَ النّاسُ أَو عَذَرُوا |
| وَهوَ الشَّدِيدُ، وإن أَبدى ملاينَةً |
| وَهوَ البَعيدُ، تَدانى النّاسُ أم هجرُوا |
| لَيسَ في الغاباتِ عِلمٌ |
| لا وَلا فيها الجهول |
| فَإِذا الأَغصانُ مَالت |
| لَم تَقل هَذا الجَليل |
| إِنَّ عِلمَ النّاسِ طُرًّا |
| كَضبابٍ في الحُقُول |
| فَإِذا الشَّمسُ أَطَلَّت |
| مِن وَرَا الأُفقِ يَزُول |
| أَعطِني النّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا خَيرُ العُلُوم |
| وَأَنينُ النَّايِ يَبقى |
| بَعدَ أَن تُطفا النُّجُوم |
| وَالحُرُّ في الأَرضِ يَبني مِن منازعِهِ |
| سِجنًا لَهُ وَهوَ لا يَدري فَيُؤتَسَرُ |
| فَإِن تَحرّر مِن أَبناء بجدَتِهِ |
| يَظَلّ عَبدًا لِمَن يَهوى وَيَفتَكِرُ |
| فَهوَ الأَريبُ وَلَكن في تَصَلُّبِهِ |
| حَتى وَللحَقِّ بُطلٌ بل هُوَ البَطَرُ |
| وَهوَ الطَّليقُ وَلَكن في تَسَرُّعِهِ |
| حَتى إلى أَوجِ مَجدٍ خالِدٍ صِغَرُ |
| لَيسَ في الغَاباتِ حُرٌّ |
| لا وَلا العَبدُ الذَّميم |
| إِنَّما الأَمجادُ سُخفٌ |
| وَفَقاقيعٌ تَعُوم |
| فَإذا ما اللوزُ أَلقَى |
| زَهرَهُ فَوقَ الهَشيم |
| لَم يَقل هَذا حَقِيرٌ |
| وَأنا المَولى الكَريم |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا مَجدٌ أَثيل |
| وَأَنِينُ النَّايِ أَبقى |
| مِن زَنِيمٍ وَجَليل |
| واللُّطفُ في النّاسِ أَصدافٌ وَإِن نعمت |
| أَضلاعها لَم تَكُن في جَوفِها الدُّرَرُ |
| فَمن خَبيثٍ لَهُ نَفسان: واحِدةٌ |
| مِنَ العَجينِ وَأُخرى دُونَها الحجَرُ |
| وَمِن خَفيفٍ وَمِن مُستَأنثٍ خَنثٍ |
| تَكادُ تُدمى ثَنايا ثَوبِهِ الإِبَرُ |
| وَاللُّطفُ لِلنذلِ دِرعٌ يَستجيرُ بِهِ |
| إِن راعَهُ وَجَلٌ، أَو هَالهُ الخَطَرُ |
| فَإِن لَقيتَ قَويًا لَيّنًا فَبِهِ |
| لأعيُنٍ فَقَدَت أبصارَها البصَرُ |
| لَيسَ في الغَابِ لَطيفٌ |
| لينهُ لينُ الجَبان |
| فَغُصونُ البانِ تَعلُو |
| في جوارِ السِّنديان |
| وَإِذا الطَّاووسُ أُعطي |
| حُلَّةً كَالأُرجُوان |
| فَهوَ لا يَدري أَحسَنٌ |
| فيهِ أَم فيهِ اِفتِتان |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا لُطفُ الوَديع |
| وَأَنينُ النَّايِ أَبقى |
| مِن ضَعيفٍ وَضَليع |
| وَالظرفُ في النّاسِ تَمويهٌ وَأَبغضُهُ |
| ظَرفُ الأُلي في فُنونِ الاقتِدا مهرُوا |
| من مُعجَبٍ بِأُمورٍ وَهوَ يَجهَلُها |
| وَلَيسَ فيها لَهُ نَفعٌ وَلا ضَرَرُ |
| وَمِن عَتيٍّ يَرى في نَفسِهِ ملكًا |
| في صَوتِها نَغَمٌ، في لَفظِها سُوَرُ |
| وَمن شَموخٍ غَدَت مِرآتُهُ فَلَكًا |
| وَظِلّه قَمَرًا يَزهو وَيَزدَهِرُ |
| لَيسَ في الغابِ ظَرِيفٌ |
| ظرفهُ ضعف الضَّئيل |
| فَالصَّبا وَهيَ عَليلٌ |
| ما بِها سَقمُ العَليل |
| إِنَّ بِالأَنهارِ طَعمًا |
| مِثلَ طَعمِ السَّلسَبيل |
| وَبها هَولٌ وَعَزمٌ |
| يجرفُ الصَّلدَ الثَّقيل |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا ظَرفُ الظَّريف |
| وَأَنينُ النَّايِ أَبقى |
| مِن رَقيقٍ وَكَثيف |
| وَالحُبُّ في الناسِ أَشكالٌ وَأَكثَرُها |
| كَالعُشبِ في الحَقلِ لا زَهرٌ وَلا ثَمَرُ |
| وَأَكثَرُ الحُبِّ مِثلُ الراحِ أَيسَرُهُ |
| يُرضي وَأكثَرُهُ لِلمُدمن الخَطِرُ |
| وَالحُبُّ إن قادَتِ الأَجسامُ مَوكِبَهُ |
| إلى فِراشٍ مِنَ الأَغراضِ يَنتَحِرُ |
| كَأَنَّه ملكٌ في الأَسرِ مُعتَقَلٌ |
| يَأبى الحَياةَ، وَأَعوانٌ لَه غَدَرُوا |
| لَيسَ في الغابِ خَليعٌ |
| يَدَّعي نبلَ الغَرام |
| فَإِذا الثِّيرانُ خارَت |
| لم تَقُل هَذا الهيام |
| إِنَّ حبَّ الناسِ دَاءٌ |
| بَينَ لَحمٍ وَعِظام |
| فَإِذا وَلّى شَبابٌ |
| يَختفي ذاكَ السّقام |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا حُبٌّ صَحيح |
| وَأَنينُ النَّايِ أَبقى |
| مِن جَميلٍ وَمَليح |
| فَإن لَقيتَ مُحبًّا هائِمًا كَلِفًا |
| في جوعِهِ شبعٌ، في وِردِهِ الصَّدَرُ |
| وَالناسُ قالوا هُوَ المجنونُ ماذا عَسى |
| يَبغي مِنَ الحُبِّ أَو يَرجو فَيصطبرُ؟ |
| أَفي هَوى تِلكَ يَستَدمي مَحاجِرَهُ |
| وَلَيسَ في تِلكَ ما يَحلوا وَيُعتَبَرُ! |
| فَقُل هُم البُهمُ ماتوا قَبلَما وُلِدوا |
| أنّى دَروا كنه من يحيي وَمَا اختَبَرُوا |
| لَيسَ في الغاباتِ عَذلٌ |
| لا وَلا فيها الرَّقيب |
| فَإِذا الغُزلانُ جُنّت |
| إِذ تَرى وَجهَ المَغيب |
| لا يَقولُ النِّسرُ واهًا |
| إِنَّ ذا شَيءٌ عَجيب |
| إِنَّما العاقِلُ يُدعى |
| عِندَنا الأَمرُ الغَريب |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا خَيرُ الجُنون |
| وَأَنينُ النَّايِ أَبقى |
| مِن حَصيفٍ وَرَصِين |
| وَقُل نَسينا فَخارَ الفاتِحينَ وَما |
| نَنسى المجَانِينَ حَتى يغمرَ الغمرُ |
| قَد كَانَ في قَلبِ ذي القرنينِ مَجزَرَةٌ |
| وَفي حُشاشَةِ قَيسٍ هَيكَلٌ وقرُ |
| فَفي اِنتِصاراتِ هَذا غَلَبةٌ خفيَت |
| وَفي اِنكِسارات هَذا الفَوزُ وَالظفرُ |
| وَالحُبُّ في الرُّوحِ لا في الجسمِ نَعرفُهُ |
| كَالخَمرِ للوَحيِ لا لِلسّكرِ يَنعَصرُ |
| لَيسَ في الغاباتِ ذِكرٌ |
| غَير ذِكر العاشِقين |
| فَالأُلى سادوا وَمادوا |
| وَطَغوا بِالعَالمين |
| أَصبَحوا مِثلَ حُروفٍ |
| في أَسامي المُجرِمين |
| فَالهَوى الفَضَّاحُ يُدعى |
| عِندَنا الفَتحُ المُبين |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| وَانسَ ظُلمَ الأَقوِياء |
| إِنَّما الزَّنبقُ كَأسٌ |
| لِلنَّدى لا لِلدِّماء |
| وَما السَّعادَةُ في الدُّنيا سِوى شَبَحٌ |
| يُرجى فَإن صارَ جِسمًا مَلَّهُ البَشَرُ |
| كَالنَّهرِ يَركُضُ نَحوَ السَّهل مُكتدِحًا |
| حَتَّى إذا جاءَهُ يُبطي وَيَعتَكِرُ |
| لَم يَسعدِ الناسُ إلا في تَشَوُّقهم |
| إلى المنيعِ فَإِن صارُوا بِهِ فَترُوا |
| فَإِن لَقيتَ سَعيدًا وَهوَ مُنصَرِفٌ |
| عَنِ المنيعِ فَقُل في خُلقه العِبَرُ |
| لَيسَ في الغابِ رَجاءٌ |
| لا وَلا فِيهِ المَلل |
| كَيفَ يَرجو الغابُ جُزءًا |
| وَعَلى الكُلِّ حَصَل؟ |
| وَبما السَّعيُ بِغابٍ |
| أَمَلاً وَهوَ الأَمَل؟ |
| إِنَّما العَيشُ رجاءٌ |
| إِحدى هاتيكَ العِلَل |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا نَارٌ وَنُور |
| وَأَنينُ النَّايِ شَوقٌ |
| لا يُدانيهِ الفُتُور |
| وَغايَةُ الرّوح طَيَّ الرّوح قَد خَفيت |
| فَلا المَظاهِرُ تُبديها وَلا الصُّوَرُ |
| فَذا يَقولُ هِيَ الأَرواحُ إِن بَلَغَت |
| حَدَّ الكَمالِ تَلاشَت وَانقَضى الخَبَرُ |
| كَأَنّما هيَ أَثمارُ إِذا نَضِجَت |
| وَمَرَّت الرّيحُ يَومًا عافَها الشَّجَرُ |
| وَإذ يَقولُ هِيَ الأَجسامُ إِن هَجَعَت |
| لَم يَبقَ في الرّوحِ تَهويمٌ وَلا سَمَرُ |
| كَأَنَّما هِيَ ظِلُّ في الغَديرِ إِذا |
| تَعكّرَ الماءُ وَلَّت وَامَّحى الأَثَرُ |
| ظَلَّ الجَميعُ فلا الذّراتُ في جَسَدٍ |
| تُثوى، وَلا هِيَ في الأَرواحِ تحتضرُ |
| فَما طَوَت شَمألٌ أَذيالَ عاقِلَةٍ |
| إِلا وَمَرَّ بِها الشّرقي فَتَنتَشِرُ |
| لَم أَجدِ في الغابِ فَرقًا |
| بَينَ نَفسٍ وَجَسَد |
| فَالهَوا مَاءٌ تَهادى |
| وَالنَّدى ماءٌ رَكَد |
| وَالشذا زَهرُ تَمادى |
| وَالثَّرى زَهرٌ جَمد |
| وَظلالُ الحورِ حورٌ |
| ظَنَّ لَيلاً فَرَقَد |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا جِسمٌ وَرُوح |
| وَأَنينُ النَّايِ أَبقى |
| مِن غَبوقٍ وَصَبوح |
| وَالجسمُ لِلرّوحِ رحمٌ تستَكنُّ بِهِ |
| حَتى البُلوغِ فَتَستَعلي وَيَنغمِرُ |
| فَهِيَ الجَنينُ وَما يَومُ الحِمامِ سِوى |
| عَهدِ المَخاض فَلا سَقطٌ وَلا عسرُ |
| لَكنّ في النّاسِ أَشباحًا يُلازِمُها |
| عقمُ القِسيِّ التي ما شَدَّها وَتَرُ |
| فَهيَ الدَّخيلَةُ والأَرواحُ ما وُلِدَت |
| مِنَ القفيلِ، وَلَم يحبل بِها المدَرُ |
| وَكَم عَلى الأَرضِ مِن نَبتٍ بِلا أَرجٍ |
| وَكَم علا الأُفقَ غَيمٌ ما بِهِ مَطَرُ |
| لَيسَ في الغابِ عَقِيمٌ |
| لا وَلا فيها الدَّخيل |
| إِنَّ في التَّمرِ نَواةً |
| حَفظت سِرَّ النَّخيل |
| وَبِقُرصِ الشَّهدِ رَمزٌ |
| عَن قَفيرٍ وَحُقول |
| إِنَّما العاقِرُ لَفظٌ |
| صِيغَ مِن مَعنى الخُمول |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا جِسمٌ يَسيل |
| وَأَنينُ النَّايِ أَبقى |
| مِن مسوخٍ وَنغول |
| وَالمَوتُ في الأَرضِ لابن الأَرضِ خَاتِمَةٌ |
| وَللأَثيريّ فَهوَ البَدءُ وَالظّفرُ |
| فَمَن يُعانِقُ في أَحلامِهِ سَحَرًا |
| يَبقى، وَمَن نامَ كُلَّ الليل يَندَثِرُ |
| وَمَن يلازمُ تربًا حالَ يَقظَتِهِ |
| يُعانق التُربَ حَتى تخمد الزُّهرُ |
| فَالمَوتُ كالبَحر، مَن خَفّت عَناصِرُهُ |
| يَجتازُهُ، وَأَخو الأَثقالِ يَنحَدِرُ |
| لَيسَ في الغاباتِ مَوتٌ |
| لا وَلا فيها القُبور |
| فَإِذا نِيسانُ وَلَّى |
| لَم يمُت مَعهُ السُّرور |
| إِنَّ هَولَ المَوتِ وَهمٌ |
| يَنثَني طَيَّ الصُّدور |
| فَالَّذي عَاشَ رَبيعًا |
| كَالَّذي عاشَ الدُّهور |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| فَالغِنا سِرُّ الخُلود |
| وَأَنينُ النَّايِ يَبقى |
| بَعدَ أَن يَفنى الوُجُود |
| أَعطِني النَّايَ وَغَنِّ |
| وَانسَ ما قُلتُ وَقُلتا |
| إِنَّما النُّطقُ هَباءٌ |
| فَأَفِدني ما فَعَلتا |
| هَل تخذتَ الغَابَ مِثلي |
| مَنزِلاً دُونَ القُصُور |
| فَتَتَبَّعتَ السَّواقي |
| وَتَسَلَّقتَ الصُّخُور |
| هَل تَحَمَّمتَ بعِطرٍ |
| وَتَنَشَّفتَ بنُور |
| وَشَرِبتَ الفَجرَ خَمرًا |
| في كُؤوسٍ مِن أَثِير؟ |
| هَل جَلَست العَصرَ مِثلي |
| بَينَ جَفناتِ العِنَب |
| والعَنَاقِيدُ تَدَلَّت |
| كَثُرَّياتِ الذَّهَب |
| فَهيَ لِلصَّادي عُيُونٌ |
| وَلِمن جَاعَ الطَّعام |
| وَهيَ شَهدٌ وَهيَ عِطرٌ |
| وَلِمن شاءَ المدام |
| هَل فَرَشتَ العُشبَ ليلاً |
| وَتَلَحَّفتَ الفَضَا |
| زاهِدًا في ما سَيَأتي |
| ناسيًا ما قَد مَضى؟ |
| وَسُكوتُ اللَّيلِ بَحرٌ |
| مَوجُهُ في مَسمَعك |
| وَبصَدرِ اللَّيلِ قَلبٌ |
| خَافِقٌ في مَضجعك |
| أَعطِني النَّايَ وَغنِّ |
| وَانسَ داءً وَدَواء |
| إِنما النَّاسُ سُطُورٌ |
| كُتِبَت، لَكِن بماء |
| لَيتَ شِعري أَيّ نَفعٍ |
| في اِجتماعٍ وَزحام |
| وَجِدالٍ وَضَجيجٍ |
| وَاحتِجاجٍ وَخِصام؟ |
| كُلُّها أَنفاقُ خُلْدٍ |
| وَخُيوط العَنكَبوت |
| فَالَّذي يَحيا بِعَجزٍ |
| فَهوَ في بُطءٍ يَموت |
| العَيشُ في الغابِ وَالأَيام لَو نُظِمَت |
| في قَبضَتي، لَغَدَت في الغابِ تَنتَثِرُ |
| لَكن هُوَ الدَّهرُ في نَفسي لَهُ أَرَبٌ |
| فَكُلَّما رُمتُ غابًا قامَ يَعتَذرُ |
| وَلِلمَقاديرِ سُبلٌ لا تُغَيِّرُها |
| وَالناس في عَجزِهم عَن قَصدِهم قَصرُوا |