رثاء ـ عبد الحليم حلمي

عبد الحليم حلمي بن إسماعيل حسني المصري 

شاعر قارب النبوغ وحالت منيته دونه. وُلد في قرية (فيشا) من دمنهور بمصر، والتحق بالمدرسة العسكرية. ثم توظف بالسودان، واستقال، وكانت له في أواخر أيامه حظوة عند الملك أحمد فؤاد حتى دُعي شاعره، وتوفي بالقاهرة. له ديوان شعر ثلاثة أجزاء صغيرة، و(الرحلة السلطانية) ـ جزآن. 
المصدر: الموسوعة الشعرية الإلكترونية ـ الإصدار الثالث.
أعليكَ تلبسُ حظَى الأيامُ أم فيكَ تسكبُ لفظيَ الأقلامُ
يا واحدًا أودَى فدالت دولةٌ وَهَوَتْ عُروشٌ وانطوتْ أعلامُ
أَرَضيتَ حُكمَ الموتِ غيرَ معارضٍ وعَلَى يديكَ النَّقضُ والإبرامُ
نَزَلَتْ على لُغةِ الكتَاب بليَّةٌ وأُصيبَ فِي كُتَّابه الإسلامُ
وتعمَّدَ القَدَرُ القَضَاءَ فَغَالَهُ وَعَلى القُضاةِ تعدَّتِ الأحكامُ
وَتَعثَّر القَلمُ الذي راضَ العُلاَ وَجَرَى عَليهِ الوَحىُ وَالإِلهامُ
قَلَمٌ إذا رَكِبَ البَنانَ مَشَى الهُدَى فِي مَوكبٍ واصطفَّتِ الأفهامُ
مُرٌّ فإن أرضَيتَهُ فَحَلاوةٌ قَصَعت بِذكرِكَ غُلَّةَ المُلتامُ
ينتاشُ أروِقَةَ السَّماءِ ويُرتجَى عِندَ القضاءِ له مُنًى ومَرَامُ
البِيضُ فيهِ قواطعٌ والجندُ فيهِ روابضٌ والجيشُ فيهِ لهامُ
تَتَدفّقُ الأَرزاقُ عَن جَنَبَاتِهِ وَتعيشُ تحتَ شباتِهِ الأقوامُ
في شقّهِ قَدَرٌ وفي تَجويفِهِ خَبَرٌ وتَحتَ شبَاتِهِ صمصامُ
مَا بينَ أعلاهُ وأَسفَلَه مَدىً كالعَينِ تَحوِي الكونَ وهو جِسامُ
تجري بريقتهِ المنايا والمُنى وعلى شباهُ تُقدَّرُ الأَقسامُ
ومنضنضٍ مجَّ الزُّعافَ لسانُه غَضَبًا وصرَّف جأشَهُ ضرغامُ
فإذا تبسَّمَ فالزمانُ أصائِلٌ وإذا تجهَّم فالزمانُ ظَلامُ
أمَّا البلاغةُ فهي فيه سَجيَّةٌ أمَّا الرويةُ فهي فيهِ لزامُ
يتعمَّدُ الأَملَ البعيدَ وعندَه إنَّ الحياةَ جميعها أَوهامُ
وَلَهُ بِظهرِ الغَيبِ عَينٌ لَم تَزلْ يَقظَى وَحرَّاس الزمانِ نِيَامُ
فإذا جرى وشَّى الغمامُ طروسَهُ وَتفتَّحَت بِسُطُورِه الأَكمَامُ
وَتسقّطَتْ قِطَعُ الرِّياضِ صريرَه وسَرت إلى أطيارِها الأَنغامُ
قَصُرتْ خُطاهُ وَطَالَ فِي إِدراكِهَا رأيُ الحَكيمِ وَكلّتِ الأقدامُ
كَسرَ الردَى تلكَ القناةَ صليبةً ورَمى الشُّجاعَ الأحوذيَّ حِمامُ
وَخَلا المُكرُّ فكُلُّ ذِئبٍ ضَيغمٌ إِن لاحَ فِيهِ عَنَتْ إليهِ الهَامُ
يا أحمدُ انهض وارثِ نفسَكَ ثمَّ نَمْ فقد اشتكى النُّثَّارُ والنُّظَّامُ
وَقَفُوا لذِكرِكَ خَاشِعِينَ كَأنَّما وَقفَ الحَجِيجُ وَأوشَكَ الإِحرامُ
مُتهيّبينَ جَلالَ أَبلجَ لَمْ يَزلْ مُستَشفِعًا بِضِيائِه الإِظلامُ
وَيحَ الثَّرى إِنَّ الثلاثةَ أذرعٍ وَسِعَتْ فَرَاسخَ طُولُها أَعوامُ
اليوم أيقظكَ المماتُ مِنَ الكَرى فَرأيتَ كَيفَ تولَّتِ الأحلامُ
وَالناسُ تَبقى بَعدَهم أَرواحُهُم وَتبيدُ فِي أَكفانِها الأَجسامُ
إنَّ الحياةَ صحائفٌ مسطورةٌ وَالناسُ فِي طَيَّاتِهنَّ كلامُ
رَجُلٌ تُشَيّدُ ذِكرَه حَسَنَاتُهُ وَسِواهُ تَهدِمُ ذِكرَهُ الآثامُ
والمرءُ ليسَ بمخفقٍ فى سَعيهِ مَا دَامَ رائدَ عَزمِهِ الإِقدامُ
يا راحلًا وَلَهُ عَلى أُمِّ اللُّغى نِعَمٌ تَضيقُ بِحَصرِهَا الأَرقَامُ
لَو أَنصَفَتكَ البَاقِياتُ لَسَجَّلتْ بِجَبِينِها تَاريخَكَ الأهرامُ
في كلّ يَومٍ يَستبدُّ بِدَمعِنا قَدَرٌ وَينزِلُ بالإِمامِ إِمامُ
أبكي على القَومِ الغَداةَ وَفي غَدٍ يُبكَى عليَّ وَهكذا الأَيامُ
إن الأُلى مَنعُوا النفوسَ دُمُوعَهُم وَبَكوا عَلى إِخوانِهِم لَكِرامُ
والخَلقُ أَعجَبُ ما يُرى فَحَيَاتُهم طَوعٌ وَلكن مَوتَهم إِلزامُ
يا سعدُ إِنَّ أخَاكَ يَوم قَضَى قَضَتْ مال شَعبٍ كلُّها آلامُ
ليسَ اِصطِبَارًا أن تَجفَّ دُمُوعُهُم إِنَّ المآتمَ فى القلوبِ تُقَامُ
أشبالُ مِصرَ وَأنتَ أَنتَ أَبُوهُمُ قَد أَيقظوكَ عَلَى العَرينِ وَنَامُوا
لَولا مَلكتَ نُفوسَهم فَعصَمتَها مِن حُزنِها لسفت بها الأسقَامُ
ليسَ الإِخاءُ تقرُّبًا وتحبُّبًا إِنَّ الإِخاءَ عواطفٌ وذِمَامُ
تلكَ الجَنادلُ قد توسَّدَ مَورَها بَدرٌ بأكفانِ السَّحابِ تَمامُ
إنَّ النَّعيمَ وأهلَهُ أولى بهِ فَعَليهِ فِي أهلِ النَّعيمِ سَلامُ


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يبكي الغريبُ عليه ليس يعرفهُ

العِقد (قصة قصيرة)

أنشودة القسام ـ للشاعر: ناهض منير الريس