الخريف (قصة قصيرة)
للكاتب الفرنسي: أُندريه موروا
ليس هناك ما هو أثمن من ذكرى اللحظات التي يخفق فيها القلب بالحب لأول مرة. إن أندريه موروا أحد مشاهير الكتاب والمؤلفين في فرنسا يعود بذاكرته ستين عامًا إلى الوراء ليستعيد ذكريات تلك اللحظات.
لقد كتب موروا عشرات المؤلفات والمقامات والمذكرات والأعمال التاريخية. ولكنه برز في كتابة القصص الغرامية لمشاهير الناس.
وهو في هذه القصة يكتب عن نفسه.
★ ★ ★
كنتُ في السابعة عشرة من عمري في ذلك الوقت، وكنت أعيش في مدينة صغيرة من المدن الجامعية في فرنسا. ولم تكن كليات الجامعة الفرنسية تخصص غرفًا لنوم الطلبة ولذلك فقد أقمت في بيت والدي. وكنت أترك هذا البيت في صباح كل يوم قبل الساعة الثامنة لأذهب إلى الكلية. كانت حياة عادية لطالب يتلقى العيم في الجامعة ولا شيء جديد فيها. ثم حدثت المفاجأة، ففي يوم من الأيام وأنا في طريق عودتي إلى البيت رأيت أجمل امرأة في العالم. كانت تقف في ركن من شارع ماليري، وترقب الناس وهم يمرون أمامها بعينين ساحرتين. ولم تكن جميلة فحسب، ولكنها كانت أيضًا من ذلك الطراز من النساء الذي أراه في أحلامي كلما قرأت قصة غرامية أو قصيدة من الشعر. كانت مزيجًا من المرأة الرزينة والمرأة الفاتنة في نفس الوقت.
وأحسست بقلبي يخفق بحب هذه المرأة التي أصبحتُ أراها كل يوم في طريق عودتي إلى البيت عند الظهر. كنت أقف في صبر كلما تأخرت عن موعدها لمجرد أن ألقي نظرة قصيرة على وجهها الجميل. ورحت أسأل نفسي: ’’ترى من تكون هذه المرأة. من أين جاءت. وماذا تفعل هنا في هذا الوقت بالذات كل يوم؟‘‘ وحاولت أن أبحث عن إجابة لهذا السؤال لمدة ثلاثة أشهر كاملة ولكن على غير جدوى!
وفي يوم أحد، جاء والدي الطبيب يقول لي: ’’إن أحد أصدقائي من المرضى الذين يترددون على عيادتي، وهو مسيو فيرجيه، دعاني أنا ووالدتك لتناول طعام العشاء في بيته. وقد قال مسيو فيرجيه أننا نستطيع أن نصطحبك معنا. إنه رجل لطيف وكذلك زوجته وأنا واثق من أنك ستكون سعيدًا بلقائهما‘‘.
ولم يكن لدي أية ارتباطات أخرى في ذلك اليوم فقبلت الدعوة، وكانت المفاجأة. لم تكن المرأة الساحرة التي طالما كنت أتوق لاكتشاف شخصيتها سوى زوجة مسيو فيرجيه صديق والدي. وانتابني شعور من السرور والحزن. من الضيق والفرح، وأنا أمد يدي لأصافح مدام فيرجيه!
فتاة أحلامي
وأحسست على الفور أنها هي أيضًا قد عرفتني. فقد عاملتني على الفور كما لو كنت صديقًا قديمًا. ولاحظت شيئًا آخر: كانت مدام فيرجيه تبدو أصغر بكثير من زوجها المريض، ولو أنها كانت أكبر مني سنًا. كان واضحًا أن عمرها يتراوح بين الخامسة والعشرين والثلاثين. وكانت مغرمة بالكتب التي كانت هوايتي. وبالرغم من أنني شعرت بخجل شديد وأنا أتحدث إليها، إلا أنني أحسست بعد فترة قصيرة أن الكلفة قد زالت بيننا. وانتهت السهرة وعدنا إلى البيت.
وعندما التقينا في اليوم التالي في ذلك الركن من الشارع الذي تعودت أن أراها تقف فيه، هزت ’’مونيك فيرجيه‘‘ رأسها وابتسمت لي. وشعرتُ بسعادة تغمرني، فاقتربت منها في جرأة ثم مشينا معًا إلى أن افترقنا وسار كل منا في طريقه. قالت لي ’’موني‘‘ في ذلك اليوم الذي لن أنساه أبدًا، أنها تهتم بالأعمال الخيرية، وأنها اعتادت أن تزور مقر الجمعية الخيرية، ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع. وفسر لي هذا سر وقوفها في ذلك الركن من شارع ماليري. وشكرت المهندس الذي قرر أن يبني مقر الجمعية الخيرية في طريق كليتي!
هل أحببتها؟ لو قلت أنني وقعت في الحب فلن يكون ذلك كافيًا لأعبر عما كان في قلبي. لقد كن في الواقع شيئًا أقوى من الحب نفسه. ولكن ما هو؟ لا أدري!
كنت كلما رأيتها أحسست بالحرارة تسري في جسمي. والسعادة الطاغية تغمرني. كنت أشعر أنني أحلّق في سماء بعيدة وحدي مع ’’موني‘‘! ولو أنني كنت شابًا من شبان هذا العصر الحديث لفكرت على الفور في أن أقبلها.
أما وقد كنت طالبًا شاعريًا أعيش في عام 1914 فقد تملكني مجرد شعور بأنني فقدت قلبي. وأردت أن أفعل شيئًا عظيمًا أثير به اهتمامها. ولكنني لم أجد شيئًا أستطيع حتى أن أفكر فيه! وأخيرًا خطر لي خاطر. تذكرت أنها كثيرًا ما كانت تصنع حزمة صغيرة في زهر البنفسج في صدر فستانها. فقررت أن أغامر وأشتري لها ولو زهرة واحدة من هذه الزهور التي تحبها. ولم يكن هذا عملًا عظيمًا ولكن الفكرة راقت لي فنفذتها!
واستقبلت ’’موني‘‘ زهرة البنفسج استقبالًا طيبًا. وشعرت أنني بدأت أحقق تقدمًا ملحوظًا. لقد عرفت ذوقها وعرفت الأشياء التي تحبها فكنت أقدم لها جميع أنواع الهدايا الصغيرة التي كان مصروفي المحدود يسمح لي بشرائها. لقد علمت علم اليقين أنني أحب ’’موني‘‘، وأحسست أن ثمة شعورًا من السرور والطرب يخالجها وهي تنظر إلى عيني وتقرأ فيهما حديث الحب الصامت.
ولكن ’’موني‘‘ بالرغم من هذا لم تذكر يومًا كلمة واحدة عن هذه العلاقة الصامتة. وفي يوم من الأيام سألتني: ’’لماذا أنت لطيف معي إلى هذا الحد؟‘‘.
وكان سؤالًا خبيثًا، ولم أجد جوابًا له سوى أن أقول في صوت أشبه بالهمس: ’’لأن سعادتي الكبرى في أن أسعدك!‘‘
اللوحة التي أعجبتها
ويبدو أنها كانت تتوقع ردًا آخر، ولكنها لم تعلق على هذا الكلام. وفي أحد الأيام، وكانت نهاية الفصل الدراسي الأخير تقترب، قالت لي ’’موني‘‘ أنها على وشك السفر إلى أمريكا مع زوجها، وأنها لن تعود قبل شهر سبتمبر. ثم سألتني: ’’هل ستظل تواصل دراستك في الجامعة؟‘‘ وقلت: نعم. فنحن نستأنف الدراسة مرة أخرى في سبتمبر. وقالت: إذن فسوف ألقاك عند عودتي.
قلت: سوف أفتقد صحبتك كل يوم!
وكنا قد وصلنا إلى واجهة دكان أو معرض للوحات الفنية، وفجأة نظرت ’’موني‘‘ إلى اللوحة المعروضة فيها وقالت: ’’هل تعجبك هذه الصورة؟‘‘ وكانت لوحة من القماش رسمها الرسام بورين. كانت تمثل منظرًا على الشاطئ في دوفيل بأعلامه الساحرة التي ترفرف أمام رياح البحر. وقالت: ما أجملها! إنني معجبة بها جدًا وقد طلبتُ إلى زوجي أن يشتريها، ولكنه قال إن لدينا صورًا كثيرة لم يعد لها مكان نستطيع أن نعلقها فيه. وربما كان زوجي على حق، ولكني ما زلت أريدها.
وتركنا واجهة المعرض ومشينا بعيدًا عنها، ورحنا نتحدث عن أمريكا وعن رحلتها المقبلة. ثم افترقنا. ولكن بدلًا من أن أعود إلى البيت عدت إلى المعرض ووقفت أمام واجهته مرة أخرى ورحت أتأملُ الصورة. نعم. إنها جميلة حقًا؛ ربما لأنها أعجبتها هي. لا أدري! المهم أن الصورة بدت جميلة في نظري ودخلت المعرض وسألت السيدة الشابة، المسؤولة عن اللوحات، عن ثمن لوحة بورين الصغيرة المعروضة. وراجعت الأسعار ثم ذكرت لي رقمًا يصل إلى عشرة أضعاف المصروف الذي كنت أتقاضاه من والدي ولمدة عام كامل!
وقلت: أخشى أن أقول أن هذا الثمن أكثر مما تستطيع أن تتحمله ميزانيتي!
وضحكت السيدة وقالت: كنت أتصور ذلك فمن السهل أن يكتشف المرء أنك ما زلت طالبًا صغيرًا. ولكن يبدو أنك مغرم باللوحات الزيتية. أليس كذلك؟
قلت: جدًا. وخاصة هذه اللوحة بالذات! إنني أعبدها! هل تستطيعين أن تحتفظي لي بها حتى شهر أكتوبر؟ فربما استطعت أن أشتريها. من يدري!
قالت: أستطيع أن أعدك بذلك. فنحن نغلق أبواب المعرض ثلاثة أيام كل أسبوع خلال أشهر الصيف، فليس هناك أمل كبير في بيعها الآن. ولكنني لا أستطيع أن أعدك بشيء بعد أكتوبر! اتفقنا. فأنا إذا لم أستطع أن أشتريها في أكتوبر فلن يكون لدي أمل في شرائها بعد ذلك!
خطة مجنونة
وكنت قد أعددت لذلك خطة مجنونة. كان والدي قد اقترح أن يرسلني في رحلة إلى إسبانيا فقد كنت أرغب بشدة في أن أرى لوحات جويا Goya في توليدو Toledo. وكانت هذه الرغبة المفاجئة نتيجة لتأثير ’’موني‘‘ علي. لقد وجدت نفسي فجأة أحب الفن، وكنت أجد نفسي قريبًا منها كلما وقفت أمام لوحة فنية جميلة!
وكانت أسرتي على استعداد لدفع نفقات الرحلة التي أعددت لها كل شيء. وفي الطريق إلى إسبانيا قررت أن أتوقف في بياريتز Biarritz وأن أذهب إلى الكازينو وأقامر لأول مرة في حياتي. وتصورت وقتها أنني أعرف كل أسرار القمار، شعرت أن دراستي للرياضيات ستساعدني على كشف حساب الحظ. وأحسست بشيء يشدني إلى مائدة الروليت Roulette. ورحت أجمع وأطرح وأحسب المبالغ التي سوف أكسبها. وقلت لنفسي: بهذه الطريقة سأتمكن من جمع ما يكفي لشراء اللوحة التي أعجبت ’’موني‘‘ وسأقدمها لها عند عودتها!
ودخلت الكازينو ووقفت أمام مائدة الروليت ولعبت وخسرت كل ما معي من نقود، حتى آخر فرنك في جيبي! ماذا أفعل الآن بعد أن انهارت كل أحلامي؟ إنني لم أعد أملك حتى المبلغ الذي أستطيع أن أسدد به حساب الفندق الذي أنزل فيه. وكان أمامي طريق واحد لإخراجي من هذا المأزق. وهو أن أتصل بوالدي تليفونيًا وأطلب إليه إعادتي فورًا إلى بلدي. ولكنني استبعدت الفكرة. فقد كان والدي رجلًا طيبًا وكنت واثقًا من أنه سيساعدني ولكنه كان سيفقد كل ثقته في. وقد يصبح ذلك عقبة خطيرة في طريق مستقبلي. وكان هناك سبب آخر دفعني إلى نبذ هذه الفكرة. وهو أنني كنت أريد أن أعاقب نفسي على هذا التصرف. وقلت: ’’لا بد أن أواجه الموقف‘‘. وذهبت إلى مدير الفندق رأسًا. وكان رجلًا ذكيًا يقدر الظروف، ورويت له تفاصيل ما حدث بالضبط. ثم قلت: ’’ماذا عساي أن أفعل الآن؟‘‘.
ساعتي الذهبية
وكان الشيء الوحيد القيم الذي أملكه هو ساعتي الذهبية. وقلت لمدير الفندق: ’’إنني أستطيع أن أتركها معك كضمان حتى أتمكن من تسديد ديوني. ولكنني لا أعرف ماذا سأقول لوالدي عن فقد ساعتي؟ إنني أفضل أن أعمل في الفندق لمدة شهر، وهي الفترة التي كان مفروضًا أن أقضيها في إسبانيا. فهل أنت في حاجة إلى مساعَدة مؤقتة في فندقك؟ إنني على استعداد لأن أقوم بأي عمل‘‘.
وتصادف أن كان أحد عمال المصعد في الفندق قد ترك عمله في ذلك اليوم وعرض عليَّ المدير الوظيفة الشاغرة، بل أنه عرض ما هو أكثر من هذا. قال: ’’لقد كان مفروضًا أن تكون في إسبانيا ولكنك الآن في بيارتيز، ولكنني سأتدبر الأمر. سأطلب إلى بعض أصدقائي أن يرسلوا خطابات باسمك من مدن إسبانيا المختلفة إلى والدك في فرنسا حتى لا يكتشف أنك لم تذهب إليها‘‘.
وأمضيت إجازتي أعمل في هذا الفندق وأحببته. وفي نهاية الإجازة عدتُ مرة أخرى إلى بيتي وهناك وجدتُ مفاجأة أخرى في انتظاري. لقد قرر والدي إرسالي إلى السوربون في باريس. وأمضيت عامًا بعيدًا في بلدي. ثم قامت الحرب العالمية الأولى وفقدت خيال حبي الأول ولم أكن قد فقدت ذكراه.
ومرت السنوات. والتقيت بها مرة أخرى.. التقيت بموني.. وكان عمري خمسين عامًا. أما هي فقد كانت قد قاربت عامها الستين. وكنت قد تلقيت دعوة لألقي محاضرة في بلدتي. وما كدت أنتهي من المحاضرة حتى اتجهت موني إليّ. وعرفتها على الفور. كانت لا تزال تحتفظ بابتسامتها الساحرة وبصوتها العذب. وكانت موني جدة وأرملة. وقلت أسألها: ’’هل أستطيع أن أزورك في بيتك قبل عودتي إلى باريس؟‘‘
وقالت: إن ذلك سيسعدني.
وذهبت إلى بيت ’’حبيبتي‘‘. وعندما أصبحنا وحدنا قلت لها: ’’هل تعلمين أنني كنت مجنونًا بحبك في يوم من الأيام!‘‘ ورويت لها كل شيء. قصة الصورة التي أعجبتها. والقمار في الكازينو، والعمل الذي قمت به كعامل مصعد من أجلها. وقالت: ’’قصة جميلة. ليتك رويتها لي من قبل!‘‘
وقلت: لم أجد الفرصة. ولكنني كنت في وقت من الأوقات على استعداد لأن أضحي بحياتي من أجل أن أضمك إلى صدري وأقبلك! ولو لدقيقة واحدة!
قالت: لماذا لا تفعل ذلك الآن!
وفعلت. وكانت لحظة سعيدة. ولو أنها جاءت متأخرة ثلاثين عامًا!
[تمت]