التعبير عن الغضب بين الزوجين

راجي عنايت
إن الأوقات الحلوة والأيام السعيدة، بين الزوجين المتآلفين، لا تحتاج إلى خبرة في تناولها، أو إلى خبير ينصح بالتصرف حيالها، إنها تمضي تلقائيا بشكل طبيعي سلس، تجلب المتعة للطرفين، لكن المشكلة التي تقود إلى فشل الزيجات هي عدم قدرة الطرفين على التعبير عن الغضب الذي لابد أن يتولد "عن أي علاقة تآلف بين شخصين". 
★     ★     ★
يقول خبراء العلاقات الزوجية إن فشل العلاقات الزوجية يرجع إلى "عدم قدرة الزوجين على مواجهة غضب كل منهما". فالثابت أنه مع  زيادة الألفة تصبح احتمالات الغضب أكبر، كما يصبح الطرفان أكثر تعرضا للإحساس بالايذاء. وقد جاءت الأبحاث النفسية الحديثة لتدعم الرأي القديم الذي قال به "وليام بلاك"، وهو أن الغضب الذي لا يجد متنفسا له يزداد غالبا عمقا وشدة، بيد أن هناك عدة وسائل لمواجهة الخلافات بشكل فعّال. وقبل التعرف على هذه الوسائل يحسن بنا أن نقف أمام أشكال الخلافات: الوفاق المزيف، وهو أول ما نلفت إليه النظر، فالكثير من العلاقات الزوجية تبدو لأصدقاء الزوجين وقد سادها السلام، مع أنها غير محتملة بالنسبة للزوجين. ومن الوقائع الشائعة المتكررة التي غالبا ما يوردها خبراء العلاقات الزوجية، تلك التي تصف ذهول إحدى الزوجات من تصرف زوجها. تقول إنه خلال خمسة عشر عاما من الزواج لم يحدث  أن رفع صوته في وجهها  أو نطق لفظا جارحا، أو شكا من تصرفاتها، كما أنها تنكر معرفتها بعدم رضا زوجها عن أي مظهر من مظاهر علاقاهما الطويلة. وذات يوم تعود الزوجة إلى بيتها لتجد رسالة قصيرة، تركها لها الزوج، لا تقول كلماتها أكثر من "سأهجر البيت إلى الأبد، فإني لم أعد أحتمل هذه الحياة أكثر من ذلك". 
تكشف هذه الواقعة عن ظاهرة كراهية الانسان التقليدية لاظهار غضبه. وكثير من الأزواج يحجمون عن مواجهة خلافاتهم مع زوجاتهم، خوفًا مما قد يقود إليه الافصاح عن الخلاف من توتر واحساس بالذنب وإثارة وعصبية، وهم ـ لخوفهم ـ يتركون أحاسيس الاستياء والتوتر والشعور بالظلم تتراكم داخلهم، بدلا من محاولة الحديث عما يستنكرونه. هؤلاء يكون التوافق الكامل في العلاقة هو مثلهم الأعلى، وهم يرون أن إعلان الاستياء وإظهار الغضب يشوهان هذه الصورة المثالية، فأي ثمن يدفعون مقابل ذلك السلام المزعوم؟؟
إنهم يضحون بأهم احتياجاتهم ورغباتهم الشخصية، ويجلبون الركود والملل إلى علاقاتهم. 

الغضب المكبوت 

تنشأ لدى الأزواج والزوجات غالبًا عادة كبت الغضب، خوفًا من فقدان الحب، استمرارًا لما تعودوا عليه في مراحل طفولهم، فالكثير من الأطفال ينشأون على ما تلقوه من أن إظهار الغضب نقيصة أخلاقية، كما أن هناك كثيرًا من الأشخاص الذين يخشون التعبير عن غضبهم، حتى لا يخسروا الطرف الآخر، ويتعمق هذا عندما يصبح للطرف الآخر أهمية كبيرة في حياتهم. 
وخوف هؤلاء من الكشف عن غضبهم، والتعبير عن غيظهم، يجعلهم يبالغون في موقفهم هذا، ليصبحوا أكثر حساسية، بحيث يشعرون أنه للتعبير اللطيف الرقيق عما يغضبهم نفس العواقب الوخيمة التي للعراك العنيف. وهكذا يتراكم الاستياء ويتعمق الضيق. والاستياء الدقيق المكبوت يسد مسار الألفة بين الزوجين، فإخماد المشاعر السلبية يضعف في نفس الوقت المشاعر الايجابية. يقول (ولو ماي) في كتابه (الحب والإرادة): "الشيء الغريب الذي يثير دائما الدهشة عند الأزواج والزوجات الذين يخضعون للعلاج النفسي، أنه بعد أن يفصح الواحد منهم عن غضبه، ويعترف بالخصام الذي يضمره، ويعلن الكراهية التي يحملها للطرف الآخر، وبعد تعنيفه للطرف الآخر، على مدى ساعة كاملة، فإنهما ينتهيان وقد سادت بينهما مشاعر الحب المتبادل. ثم هناك ذلك المريض الذي يقبل على الطبيب النفسي الذي يعالجه وقد جاشت نفسه بالمشاعر السلبية، لكن مع هذا يكون حريصًا على كبت هذه المشاعر، ولو بشكل لاشعوري، محاولا أن يلعب دور الرجل الشهم، لكنه ما يلبث أن يكتشف حبه للطرف الآخر، في نفس الوقت الذي يكبت فيه الاستياء والغضب. 

هدية الزوج المحب 

إن الغضب المكبوت الذي لا يجد متنفسًا له يعبر عن نفسه بشكل غير مباشر، فيبعث الارتباك في حياة الطرفين، وهذا التعبير غير المباشر يكون سلبيًا، على شكل نسيان خطة مشتركة سبق الاتفاق عليها مع الطرف الآخر، أو تعمد تخريب هذه الخطة، أو إثارة المشاكل بطريقة تبدو في الظاهر غير مقصودة. مثال ذلك الزوج الذي يؤمن أن تعبير الشخص عن مشاعره السلبية عمل غير أخلاقي، وغالبًا ما يقول هذا النوع من الأزواج لزوجته بأنها إنسانة مدهشة ممتازة، على الرغم من كل ما يشعر به من استياء نتيجة لبعض تصرفاتها، لذا فقد يعمد إلى التعبير عن غضبه بشكل غير مباشر. 
يحدث أحيانا أن يتفق مع زوجته على القيام معها برحلة في نهاية الأسبوع، لينفرد بها بعيدًا عن الأولاد ومشاغل البيت، وتترقب الزوجة الرحلة باشتياق شديد، وقبل الموعد المحدد مباشرة يلغي الزوج هذه الرحلة متعللا بأسباب واهية. وفي مناسبات أخرى يتصل بها مساء من مكتبه ليقول إنه لن يتمكن من تناول العشاء معها، أو مصاحبتها إلى المناسبة الاجتماعية التي كان قد اتفق معها على الذهاب إليها. 
ومن الطريف أنه عندما بدأت الزوجة نظامًا غذائيًا خاصًا في محاولة لتخفيض وزنها، تلقت من زوجها هدية، علبة حلوى، كمفاجأة لطيفة من الزوج المحب!
كقاعدة، الشخص الذي يتعمد إخفاء عدوانيته، لابد أن تظهر آثارها بشكل غير مباشر. وتراه يضفي على دوافعه وتصرفاته مسحة من الرقة واللطف لتجنب الكشف بشكل مباشر عن عدوانيته. 

ضغط الدم 

وعدم التعبير عن الغضب بشكل مباشر يمكن أن يؤدي إلى ظهور أعراض مرضية تنتج عن التوتر النفسي، الأمر الذي حدث لزوج (س)، فقد كان وديعا دمث الخلق، يعاني من تحكم زوجته وابنته العدوانيتين، ونتيجة لوداعته كان يعبر عن غضبه تعبيرًا سلبيًا بإفساد أي خطة تضعانها، دون أن يؤخذ عليه ما يكشف غضبه. حاول الطبيب المعالج أن يكشف عن غضب (س) دون جدوى، ولم يستطع الكشف عن هذا الغضب إلا عن طريق قياس ضغط دمه، الذي يرتفع كلما شعر بالغضب. وكانت هذه هي الوسيلة الوحيدة والمؤشر الظاهر لما حرص (س) على عدم التعبير عنه لفظيًا. 
والثابت من هذا أن المشاعر العدوانية إذا ما ارتدت إلى داخل الشخص، ولم تجد وسيلة للتعبير عن نفسها، يمكن أن تخلق العديد من المشاكل الجسمانية. 

العنف البدني 

وعلى الرغم من خطورة كبت الاستياء وتجاهل الصراع، فإن التنفيس غير المحكوم عن الغضب يمكن أن يكون أكثر إضرارًا بالشخص، لأن النقد الحاد الجارح والاساءة البدنية يؤديان إلى تحطيم الألفة بين الطرفين، والشواهد تفيد أن الذين يسمحون لأنفسهم بأن ينطلق غضبهم من عقالة بلا ضابط يتضاعف احتمال اندفاعهم إلى العنف البدني. فوصول العلاقة بين الطرفين إلى حد التآلف، يتضمن نوعا من التسليم المتبادل، مما يجعل الطرفين أكثر تعرضا للهجوم، فإذا ما تبادل الطرفان إطلاق عنان الغضب الأهوج، تحطمت العلاقة كلية. 
وإذا حدث أن كانت لدى أحد الطرفين ميول ماسوشية أو استعداد للتلذذ بتعذيب الذات، فإنه في هذه الحالة سيشجع الطرف الآخر على أن يتحول غضبه الأهوج إلى إيذاء بدني، والدليل على هذا ما حدث لواحدة من المترددات على العيادة النفسية، لتشكو من الضرب الذي تتلقاه من زوجها في حالات سكره. وعند دراسة تاريخ حالتها تبين أنها اشتكت من نفس الشيء في زيجتين سابقتين، مما يؤكد أن لديها لك الميل إلى تعذيب الذات، وأنها تسعى دائما إلى أن يتحول غضب الزوج إلى إيذاء بدني. 

75 ألف زوجة 

في استبيان قامت به مجلة "ريد بوك" حول الزواج، وأجابت عليه 75 ألف سيدة متزوجة أفادت أول حقيقة أن معظم السعيدات في زواجهن يصفن حياتهن الزوجية بأوصاف لا تطابق الصورة المثالية الحالمة المبهمة للزواج عند الباقيات، وأن الأزواج والزوجات الذين يستمتعون بعلاقة زوجية طيبة يصادفون المشاكل ويعانون مشاعر القلق، ويواجهون الاختلافات مع الطرف الآخر، لكنهم يعبرون عن اختلافهم بطريقة مقبولة. كما تقول الدراسة إن الزوجات والأزواج يختلفون مع بعضهم بعضا، ويتناقشون عادة حول ستة موضوعات أساسية هي: العادات الشخصية للطرف الآخر التي تثير الغيظ والقلق، والمال، ومسألة عدم إظهار الكفاية من الحب، والمشاكل القانونية، وأسلوب تربية الأطفال ومعاملتهم، ثم أخيرًا العلاقة الجنسية بين الطرفين. 
ومن أهم الحقائق التي كشف عنها هذا الاستبيان فيما يتعلق باختلاف الرأي بين الزوجين هو أن الطريقة التي يعبر بها الأزواج والزوجات عن الرفض أو الاختلاف، تكون أهم بكثير من الموضوع الذي يختلف عليه الزوجان. 
وقالت أكثر الزوجات سعادة أنهن يتبادلن مع أزواجهن الكشف عن مسببات الاستياء، ثم يتشاركن مع أزواجهن في البحث عن حل لها، عن طريق التفاهم بأسلوب هادئ عقلاني، وقلن إنهن لا يعرفن في علاقتهن بأزواجهن أي شكل من أشكال العراك التي طرحها الاستبيان، كالوسائل العدوانية (مثل تبادل الشتائم) أو الصياح أو التشابك البدني أو البكاء أو تحطيم الأشياء، وكالوسائل العدوانية السلبية (مثل ترك الحجرة، أو التهجم، أو التزام الصمت). 

الزواج والتنس 

يقول خبراء العلاقات الزوجية إن قدرة الشخص على التصدي للخلافات الزوجية تعتبر مهارة من المهارات، شأنها شأن معظم المهارات، تتطور عن طريق الجدية، والفهم والممارسة، بل يقولون: "إذا أردنا أن نمضي في تشبيه المهارات هذا إلى أبعد من ذلك، نقول إن تطبيق المبادئ التي سنطرحها، يمكن مقارنته بتطبيق قواعد التنس النظرية في الملعب". 
فالكتاب الذي تقرأه عن لعبة التنس يصبح مفيدًا عندما تضعه موضع التنفيذ بشكل عملي، إذ ستكتشف حينئذ أن الكثير من المبادئ يصعب تطبيقه بمهارة، فقد يعي الشخص الأخطاء التي يقع فيها، لكنه يحتاج وقتا حتى يتمكن من تصحيح هذه الأخطاء، إذ أن اتباع التعليمات في طريقة الامساك بمضرب التنس أمر مزعج في البداية، لكنه يصبح – مع الممارسة – من العادات السليمة، وبنفس الطريقة سيختفي بالتدريج ذلك الارتباط الذي تواجهه عند البدء في تطبيق القواعد اللاحقة، عندما تكتسب خبرة من خلال الممارسة. 

مبادئ المواجهة الزوجية 

إن المبادئ التي تطرحها من السهل على الشخص أن يقرأها، إلا أن تطبيقها يتوجب الاهتمام والتعاون بين طرفي العلاقة الزوجية. ونحن نفترض جدلا أنك والطرف الآخر تعملان بجدية على تطوير علاقة التآلف بينكما وتنميتها والقواعد التي تطرحها تندرج تحت ثلاث أقسام رئيسية كما يلي:
    قواعد أساسية:
  1. عبّرا عن شكواكما بروح طيبة. 
  2. تجنبا مهاجمة بعضكما بعضا. 
  3. ركّزا على المشكلة الراهنة فقط بشكل محدد. 
  4. اعترفا بعواطفكما ومشاعركما. 
  5. أساليب محدودة:
  6. تخيرا الوقت المناسب. 
  7. كونا أكثر تحديدا. 
  8. تناولا موضوعا واحدا في جلية النقاش الواحدة. 
  9. اسعيا إلى تغييرات معقولة في سلوك كل واحد منكم. 
  10. استمعا جيدا لبعضكما. 
  11. حاولا أن يتقبل كل واحد منكما الآخر ويتفهمه. 
  12. الوصول إلى حل:
  13. فكرا، وابحثا، وتأملا. 
  14. كونا على استعداد لتقبل الحلول الجزئية، غير الكاملة، وغير النهائية. 
  15. إدخال عنصر التنازل في حسابكما. 
  16. ليتجنب كل واحد منكما محاولة الخروج من النقاش رابحا. 
المصدر: مقالة نشرت في مجلة العربي، العدد 350، يناير 1966.


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يبكي الغريبُ عليه ليس يعرفهُ

العِقد (قصة قصيرة)

أنشودة القسام ـ للشاعر: ناهض منير الريس